اندلعت، في الخامس من أكتوبر 1934، أحد أهم أحداث التاريخ المعاصر، ليس فقط بالنسبة لإسبانيا، بل للحركة العمالية العالمية. فلقد استولت البروليتاريا الأستورية على السلطة خلال 15 يوما بعد أن انتزعتها بالقوة و الحزم النضاليين. فقد كانت، كما أكد دافيد رويز David Ruiz، "أول ثورة اشتراكية في التاريخ الاسباني".
لقد شكل هذا الحدث، كما الملحمة الرائعة التي كتبها العمال الإسبان خلال الحرب الأهلية، جزءا هاما من النضال ضد الفاشية، و الصفحة الأكثر بطولية و إثارة في تاريخ الحركة العمالية الإسبانية الغنية جدا بنضالات الجماهير المضطهدة.
يعد هذا الحدث النضالي الفريد شبيها من عدة جوانب بكمونة باريس، فبنفس الطريقة حيث لأول مرة في العالم ستظفر طبقة عاملة على السلطة و تحافظ عليها خلال 3 أشهر في مدينة مثل باريس قبل أن تعاني بعد ذلك من القمع الوحشي للبرجوازية الفرنسية و البروسية، في الحالة الأستورية كذلك سوف تستول الطبقة العاملة لأول مرة على السلطة في جهة إسبانية بكاملها قبل أن تتلقى، هي الأخرى، الانتقام الوحشي للجيش الجمهوري البرجوازي (بقيادة فرانكو Franco نفسه من مدريد) و الفيالق الموريسكية [3].
تعتبر الكمونة الأستورية حدثا حاسما في الفترة الثورية الممتدة من سقوط الملكية في أبريل 1931 حتى نهاية الحرب الأهلية الإسبانية. و يجب استيعاب ثورة أكتوبر 34 كمكون أساسي لهذا المسلسل.
الخلفيات
خلال صيف 1933، وصلت الأزمة الاقتصادية التي تضرب الدولة الإسبانية ذروتها. في نفس الوقت، بدأت حكومة التآلف الجمهوري-الاشتراكي عدها التنازلي بعدما خانت آمال الجماهير خلال عامين. و قد كان هذا الإحباط سببا في الفوز الانتخابي للكنفدرالية الإسبانية لليمين المستقل CEDA في 19 نونبر 1933 خلال الانتخابات التي شهدت نسبة مقاطعة تقدر ب 32%، و التي ساهمت فيها دعوة الكنفدرالية الوطنية للعمال CNT (نقابة فوضوية) بشكل كبير.
سيكون الافلاس الانتخابي لليسار بمثابة بداية فترة جديدة ستتميز بإجهاز البرجوازية على كل المكتسبات الجزئية للعمال خلال عامي النظام الجمهوري. فمنذ دجنبر 1933، وبينما ستقوم قوات الشرطة بقمع حازم للعمال، تساهلت الحكومة، بشكل مفضوح، مع اعتداءات القوات الفاشية وهي في أوجها، كما أصدرت عفوها على الجنرال سانرورخو Sanrurjo و ضباط آخرين سبق و أن حاولوا القيام بانقلاب ضد الحكومة الاشتراكية الجمهورية.
تفسر هذه الوضعية غضب العمال و تعطشهم للقتال، كما يبين مثلان المناخ العام للاستعداد النضالي لعمال:
ففي 8 دجنبر 1933، دعت الكنفدرالية الوطنية للعمال CNT، النقابة الفوضوية القوية، بشكل انفرادي إلى إضراب عام انتفاضي. و إذا كانت تعتبر دعوة الكنفدرالية الوطنية للعمال CNT هته، لحسابها الخاص، خطأ، إلا أنها أظهرت تعطش العمال الأكثر وعيا للنضال. سينتشر الإضراب حيث للكنفدرالية الوطنية للعمال CNT التأثير الكبير، أي في مدن أراغون Aragon، ريوخا Rioja، كاطالونيا Cataluna، في الوسط، إستريمادورا Estrémadura و الأستورياس Asturias، إلا أن الإضراب سيفشل نظرا لطابعه الجزئي، و سيتعرض العمال للقمع الوحشي من طرف الحكومة الجمهورية حيث سقط أكثر من 100 قتيلا و 6.000 حالة اعتقال كما منعت صحافة الكنفدرالية الوطنية للعمال CNT و أغلقت مقراتها. و قد دعت هذه الأخيرة بذاتها بعد ذلك إلى الالتحاق بالعمل و ثم حظرها قانونيا أسبوعين بعد ذلك.
أشهُر قليلة بعد ذلك، سينفجر الوضع بالأرياف بحكم التدهور السريع لظروف حياة صغار الفلاحين و العمال الزراعيين الذين تدنت أجرتهم اليومية من 10-12 بسيطة سنة 1931 إلى 4 بسيطات سنة 1934.
لقد عملتت حكومة ليرو Lerroux على استرجاع الأراضي التي سبق و أن انتزعت خلال فترة الجمهورية-الاشتراكية، و أعطت بالمقابل الحرية المطلقة لمالكي الأراضي فيما يخص تحديد شروط العمل، مما كان يسمح لهم بتسريح اليد العاملة و تحديد الأجور و ساعات العمل اليومية.
في هذا السياق، نظمت فدرالية عمال الأرض التابعة للاتحاد العام للشغيلة UGT، (النقابة الاشتراكية)، تحت ضغط هذا الوضع المتقاطب و قاعدتها المتجذرة جدا، إضرابا عاما في البوادي شهر يونيو 1934، و الذي انضمت له كل من المنظمات الفوضوية و الشيوعية.
استطاع الإضراب أن يستمر أسبوعين في العديد من القرى، لكنه فشل لإن القادة عجزوا عن توحيده و توسيعه ليشمل الطبقة العاملة الصناعية. مكنت بالتالي عزلة الأرياف هته عن المدينة الحكومة من قمع الحركة دون رحمة حيث سجلت 8.000 حالة اعتقال، و تطبيق جل القوانين القمعية الممكنة من قمع حق الإضراب؛ حالة الاستثناء؛ إعدامات؛ المحاكم الاستثنائية؛ إغلاق مقرات النقابات و كل دور الشعب...إلخ.
أبان العمال المياومين عن شجاعة و رغبة جامحة في القتال، لكن البروليتاريا الصناعية ظلت دون تعبئة للنضال فكانت النتيجة هزيمة لم تكلف الملاكين العقاريين شيئا حيث أن محصول 1934 كان أحسن من محصول 1932. مثلت الهزيمة كذلك إهدارا للقوى لأن حركة أكتوبر وجدت عمال الحقول في السجن، محبطين، منهزمين ودون عزيمة نضالية للدخول في نضالات جديدة غير مضمونة النتيجة. كل ذلك كان نتيجة للتوجه المفرط في النضالات القطاعية للقادة.
الأستورياس
تعتبر منطقة الأستورياس، قبل كل شيء، خلال سنة 1932 كما في 1933، الإقليم الاسباني الأول من حيث عدد الإضرابات، ففي سنة 1932 شارك 59.236 عاملا في الإضرابات وسينتقل العدد إلى 105.286 في 1933. في هذه الفترة، كان في الأستورياس 70.000 عاملا منقبا، أي نسبة مهمة من المأجورين: أكثر من 50%. العامل هو القلب النابض للبروليتاريا الأستورية، و بشكل خاص العامل المنجمي.
تميزت سنة 1934 بتصاعد متزايد للنضالات، فلم يأت أكتوبر عن فراغ. كانت هناك معارك مهمة في تروبيا Trubia و في معمل البنادق ضد تقليص المستخدمين، و في أبريل كان هناك 11.000 مضربا في الحوض المنجمي مرفوقا بمواجهات مسلحة مع قوات القمع.
بدأت تتعاقب في ماي التجمعات و المظاهرات. و في شتنبر، قامت جماعة النساء الاشتراكيات في ساما دي لانغرييو Sama de Langreo، مدعمات من طرف عمال المناجم المسلحين في الغالب، بالتظاهر ضد "الحرب و الفاشية" مما أدى إلى مواجهات و تبادل جديد لإطلاق النار عندما قام حرس الهجوم باحتلال جزء من المدينة، فقامت النساء بالتجمع في دار الشعب لتنظيم مسيرة أخرى من جديد، إلا أنهن منعن من طرف الخيالة (شرطة) التي تركت قتيلا وراءها.
في يوم الغد، انفجر الإضراب في كل الحوض المنجمي و المنطقة الضناعية لدورو-فيلغيرا Duro-Felguera، وبعد اتساع المواجهات يوم 8 و 9 شتبر، ستتم الدعوة إلى إضراب عام شامل ضد "زيارة" و محاولة تمركز اليمين الرجعي بقيادة خيل روبليس Gil Robles في كوفادونغا Covadonga، و بذلك تم إحباط تجمع-تمركز رجال الدين-الفاشيين كما سييتم إحباطه في كل من إسكوريال Escorial و مدريد (في هتين الحالتين كان التمركز مع المالكين العقاريين الكاطالولنيين).
قام عمال هته المناطق باقتلاع سكك الحافلات الكهربائية Trams، و إيقاف القطارات، و منع بيع وجبات الطعام و اكتراء المساكن، كما أقاموا الخنادق على الطرقات و الشوارع و قاموا في الأخير باجتثات المجموعات الرجعية.
قامت حكومة ليرو، بدعم من الكنفدرالية الإسبانية لليمين المستقل CEDA، بحملة قمع قوية. لم تكن تسمية السلطة الجمهورية البرجوازية لسنوات 1933-1935 ب "Bienio Negro" (العامين الأسودين) مجانية. لقد تعاقبت الاستفزازات، الغرامات، الاعتقالات و احتجاز الصحافة العمالية. كان هناك، في شتنبر 1934، حسب إحصاء للأممية الاشتراكية، إجمالي 12.000 عاملا معتقلا. كما تم منع الميليشيات الاشتراكية التي جُردت من أسلحتها. و تم إغلاق مقرات المنظمات العمالية التي تعرضت ميزانياتها النقابية للتحقيق من أجل التأكد إذا ما كانت قد حولتها ل "أغراض ثورية".
تمت إزاحة الاشتراكيين و عمال آخريين منتخبين من المجالس البلدية. و كما جاء في كتاب فيليكس مورو Félix Morrow "الثورة و الثورة المضادة الاسبانية": "لقد تم استعمال كل القوانين التي سنها الاشتراكيون خلال توليهم السلطة في مواجهة "اللامسؤولين"، ضدهم".
الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني PSOE و الانتفاضة " Insurrectión"
يمكن اختصار سياسة قادة الحزب الاشتراكي PSOE اليساريين بعد الهزيمة الانتخابية الفادحة لسنة 1933، في "التزامهم الأخلاقي أمام العمال بإشعال الثورة" في حال دخول الكنفدرالية الإسبانية لليمين المستقل CEDA، اليمبن الرجعي بقيادة خيل روبليس، حكومة ليرو.
كانت الكنفدرالية الإسبانية لليمين المستقل CEDA تمثل الجناح الأكثر رجعية للطبقات السائدة. كانت، بكل بساطة، تمثل الثورة المضادة و تدافع بشكل واضح عن مصالح ملاكي الأراضي الكبار. كل هذا، كان العمال يدركونه جيدا و يدركون إمكانية قيام حكومة الكنفدرالية الإسبانية لليمين المستقل CEDA تقضي على الجمهورية و تقيم نظاما شبيها بالذي يرزح تحت نيره كل من الشعب الألماني و النمساوي و الإيطالي.
لهذا السبب نزل عمال مدريد بعد أن علموا في 4 أكتوبر 1934 أن الحكومة تضم 3 وزراء من الكنفدرالية الإسبانية لليمين المستقل CEDA و اثنين من الحزب الزراعي، بإجماع و بشكل فوري، إلى الشوارع منتظرين السلاح اللازم لقيام الانتفاضة المسلحة. انتابت الحكومة حالة ارتباك أمام الإجماع على الإضراب حتى قبل أن تعلن عنه رسميا المنظمات العمالية.
غير أن قيادة الاشتراكيين كانت عاجزة و غير راغبة في تحيّن مثل هذه اللحظة المناسبة لتوجيه ضربة قاضية للحكومة و للرجعية. لم تكتف فقط بعدم توجيه شعار للإنتفاضة (رغم وعودها السابقة بذلك) بل، وخلال أزمة الحكومة الطويلة، لم تسطر أي برنامج عمل و اكتفت بصياغة برنامج "جمهوري" الذي، ولو سمي ب "الثوري"، كان "مجردا، محافظا في بعض النقاط، مشوشا و غير منسجم" كما عرّفه دياز نوستي Diaz Nosty في كتابه "الكمونة الأستورية".
فلم تطرح حتى تأميم الصناعة و البنك. كان الدور الوحيد الذي كان يمكن أن يلعبه مثل هذا البرنامج هو إشاعة الالتباس. فقد كان الأمر يتعلق بالزج بالعمال في معركة قتالية ضد حكومة و نظام أجهز عليهم و رمى بهم في السجن، من أجل الحفاظ على نفس النظام بتشكيلة حكومية أخرى؟ تلك كانت نية من صاغ البرنامج، إندليسيو برييطو Indalieco Brieto، لكنها لم تكن إطلاقا نية العمال و الشباب و المياومين.
الحزب الشيوعي الاسباني PCE
أما بشأن دور قيادة الحزب الشيوعي في هته الفترة، كما يعترف بذلك بوليخوس Bullejos، أبرز قادة الحزب الشيوعي الاسباني PCE حتى سنة 1932: "لقد فاجأت الجمهورية و الانتقال السلمي الحزب الشيوعي الاسباني PCE و اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية" (« Historia del movimiento obrero en la historia de España ». Tuñón de Lara).
كان الحزب الشيوعي الاسباني PCE يضم 800 منخرطا في كل تراب الدولة سنة 1931، فقد عدّ Tuñón 60.000 صوتا لصالح الحزب الشيوعي الاسباني PCE في الانتخابات للجمعية التأسيسية (Cortès constituantes) و حوالي 200.000 في انتخابات 1933. و خلال مؤتمر الحزب الرابع المنعقد في 1932 ستعطي القيادة 8.500 كعدد المنخرطين و سيصل إلى 20.000 عضوا سنة 1934 حسب وثائق « Communiste Internationale ».
تكمن إشكالية عدم تمكن الحزب الشيوعي الاسباني PCE من كسب قاعدة صلبة قبل أكتوبر 1934 في سياسة قيادته، سواء الأممية الشيوعية الستالينية أو قيادته الوطنية. ففي رسالة مفتوحة للمؤتمر الرابع، تعتبر الأممية هته السياسة زعامتية على الصعيد الداخلي و حلقية على الصعيد الخارجي. وقد أفصح بوليخوس نفسه عن انتقاده للنوايا التقدمية هته و"مستواها السياسي المتدني"
إلى حدود أياما قليلة قبل انتفاضة أكتوبر، كانت السياسة التي يدافع عنها قادة الحزب الشيوعي الاسباني PCE متمثلة في ما يسمى ب "الاشتراكية-الفاشية" [4] و "الجبهة الموحدة في القاعدة". وكما قد صرح بذلك بوليخوس في المؤتمر الرابع: "إن الطبقات التي تتولى السلطة هي البرجوازية الكبيرة و ملاكي الأراضي الكبار"، "و كذلك زعماء الاشتراكية الفاشية" (يعني بذلك زعماء الحزب الاشتراكي PSOE)، تلك السياسة المملاة من طرف موسكو و التي تُعارض كل أشكال التحالف مع قوى الطبقة العاملة الأخرى. ساهم هذا التوجه في إيقاف نمو الحزب الشيوعي الاسباني PCE حيث كان العمال يخرجون منه بالسرعة نفسها التي يدخلون بها إليه.
زد على ذلك، و بالخصوص، بحكم هذا التوجه، لم يساهم الحزب الشيوعي الاسباني PCE في تطوير لجان التحالف العمالية Juntas obreras حيث كانت هته الأخيرة عبارة عن جبهة عمالية موحدة حقيقية بين القواعد و القيادات. ففي الأستورياس، تم التوصل إلى اتفاق بين الاتحاد العام للشغيلة UGT و الكنفدرالية الوطنية للعمال CNT من أجل النضال ضد الفاشية، و قامت منظمات عمالية أخرى بالانضمام إلى الحلف بعد ذلك، كان من بينها حزب العمال للتوحيد الماركسي POUM المعادي للستالينية، و ستقوم لجان التحالف العمالية برفع الشعار الذي سيصبح بعد ذلك صرخة حرب أكتوبر الأستوري: UHP ! (فلتتحدوا أيها الإخوة البروليتاريونUnios Hermanos Proletarios! ).
في شتنبر 1934، ستقوم قيادة الحزب الشيوعي الاسباني PCE بانعطاف مفاجئ و ستصبح المنظمات التي كان ينعتها ب "الاشتراكية-الفاشية" "منظمات صديقة" ! فوافق الحزب الشيوعي الاسباني PCE الدخول في لجنة التحالف العمالية، و لكن عوض أن يتحول إلى بديل للقطاعات الأكثر راديكالية في الحزب الاشتراكي، تحول إلى ظله بتبنيه سياسة الدفاع عن "الجمهورية الديمقراطية".
في الأستورياس، سيكتسب الحزب الشيوعي الاسباني PCE ما قبل أكتوبر أهمية لا بأس بها و إن كانت محدودة في الحوض المنجمي في طوبيا. فخلال الانتفاضة سيلعب العديد من مناضلي قاعدته دورا بطوليا في النضال حتى النهاية. في مقابل ذلك، سوف يتجه قادته شيئا فشيئا إلى "الممارسة الإصلاحية القديمة والقاتلة للتكتلات السياسية مع الأحزاب البرجوازية-الديمقراطية" (G. Munis).
لكن الأكيد أنه في أكتوبر، أي بعدما سيشعر آلاف العمال أنهم خدعوا من قبل قيادات حزب العمال للتوحيد الماركسي POUM و الكنفدرالية الوطنية للعمال CNT سيعرف الحزب الشيوعي الاسباني PCE ازدهارا بسبب الراديكالية المتصاعدة و الاستقطاب السياسي، و ذلك بالرغم من سياسة قيادته.
مدريد
و في اللحظة الحاسمة، في الرابع من أكتوبر، لم تف القيادة الاشتراكية بوعدها ب "إشعال الثورة" و اكتفى الحزب الاشتراكي مقابل ذلك بالدعوة إلى "الإضراب العام السلمي" على الصعيد الوطني بأمل أن يكون ذلك كافيا للضغط على رئيس الجمهورية، ألكالا زامورا Alcala Zamora، حتى تنفجر الحكومة، الحديثة التعديل، و يقوم الرئيس بتعيين وزراء اشتراكيون محل الوزراء الرجعيين. باختصار، يتم الإعلان عن إضراب "سلمي" للضغط السياسوي في الوقت الذي تُطالب فيه الجماهير في الشارع بالأسلحة ! ليس هناك أفدح من هذا الخطأ، فكان بالتالي التراجع القاتل و النتائج المدمرة.
قدم العمال، في الأخير، كل ما بإمكانهم تقديمه حيث تجاوزوا قياداتهم بكثير. ففي مدريد، تمركز العمال في النقاط الاستراتيجية، بحدسهم و بدون قيادة و دون أن تتدخل قوات "الأمن". تم الإبقاء على الوضع، يوم 5 أكتوبر، رغم استرجاع الحكومة، بمساعدة الفيالق، لبعض النقاط الحيوية. لم تكن تستطيع أن تضع ثقتها المطلقة في جنودها، فلم يكن لجنود كتيبة مدريد، الذين كانوا في غالبيتهم فلاحين و يتعرض آباءهم لعواقب قمع الإضراب العام السابق، إلا أن يكرهوا الحكومة و أن يتعاطفوا مع من هو "ثوري". فقد أرسلت كتيبة كاوترو كامينوس Cautro Caminos رسالة إلى لجنة التحالف العمالية تخبرها فيها عن عدد الرجال و مواضع الرشاشات و تضمن لهم أن الغالبية، بمن فيهم عقيد، مستعدة للإصطفاف إلى جانب الثوريين إذا ما هوجموا.
كان الوضع ناضجا تماما لشن هجوم شامل ضد الحكومة و للدعوة لانتخابات عامة جديدة، عن طريق عمل دعوي جدّي و ملموس. كان بالإمكان كسب حتى القطاعات الأكثر تخلفا إلى فكرة الانتفاضة.
كان الوضع جد سانح لتحقيق النصر، فقد كانت الطبقة العاملة مستعدة للقتال، وكانت تسيطر على الحكومة، في البداية على الأقل، الشكوك و تشلها الأحداث، كما كانت الشبيبة و الجيش مستعدان للمشاركة ولكن في "شيء جدّي" حيث أنهم إذا ما كانوا قد شاركوا، كانوا سيزجّون بالفلاحين الفقراء و المياومين كذلك للمشاركة رغم هزيمة يونيو.
لكن القيادة تراجعت في اللحظة الأخيرة، لقد دام الإضراب في مدريد إلى حدود 13 أكتوبر، إلا أن المناسبة "الذهبية"، "اللحظة" الحاسمة دامت 2-3 أيام دون أن يتم استغلالها. حاولت الشبيبة، يائسة أمام غياب القيادة، مهاجمة ثكنة الجبل، لكن دون خطة عمل، و بالتالي كان محكوما على المحاولة بالفشل رغم بطوليتها.
كاطالونيا
لم يكن الوضع في كاطالونيا أقل تقدما من مدريد، لكن بحكم مسؤولية مختلف القيادات العمالية، تم ترك، هنا أيضا، البروليتاريا الأستورية وحيدة في مواجهة الدولة البرجوازية.
في كاطالونيا، كان لرفض الكنفدرالية الوطنية للعمال CNT الاتحاق بلجنة التحالف العمالية أن قلص قدرة و تمثيلية هته الأخيرة. لم توجد إذن قيادة محلية موحدة. تركت بالتالي لجنة التحالف العمالية تحت قيادة رئيس الخينيراليطا Généralitat، لويس كومبانيس Luis Companys، بحكم ضعفها، ذيلية سياسيا و بشكل مخجل للحكومة البرجوازية الكاطالانية.
بدلا من"الانتفاضة"، اقتصر هذا الأخير على البحث، عبثا و طويلا، عن كسب دعم الجنرال بالي Balet، الملازم الكاطالاني في الثكنة العسكرية لبرشلونة، في الوقت الذي لم يسعَ هذا الجنرال إلا لربح الوقت حتى يتسنى له تجميع قواه بغرض سحق الانتفاضة في الأخير، و بعد مناوشات تافهة، سيعيد بالي "النظام" و بدون صعوبة بفضل تماطل كومبانيس و غياب دعم المنظمات العمالية.
الكمونة الأستورية
في الأستورياس فقط تحول شعار الإضراب العام "السلمي" منذ اللحظات الأولى إلى انتفاضة مسلحة حقيقية، فطرح الإضراب العام بالتالي مسألة السلطة.
لقد كانت القطاعات الأكثر تأخرا إما غير واعية بملابسات ما يحدث، أو أنها كانت مشلولة بسبب افتقارها لقيادة. لكن القطاع الذي سبق و راكم التجربة بشكل أكبر، و بدرجة أعلى من التنظيم و الاستعداد، أي الطبقة العاملة المنجمية الأستورية، لم تشك و لو لحظة في الطريق الوجوب اتباعه، ربما يرجع ذلك لحدسها من جهة و فقدانها الصبر من جهة أخرى. لأنها، و رغم افتقارها هي الأخرى لقيادة صلبة، انخرطت كليا في الهجوم.
في 5 أكتوبر، قام العمال بالهجوم و احتلال ال 98 ثكنة الحرس المدني مسلحين فقط بخرطوشات الديناميت الذي كان يملكها المنجميون بكمية وافرة و يتقنون استعمالها. فقد شكل امتلاك المنجميون لبعض الأسلحة المخزونة بالفعل نقطة اختلاف مع باقي الطبقة العاملة الاسبانية و لو أنها كانت غير كافية، إلا انها كانت تمتلك الديناميت، الذي كان سلاحها الأول بوفرة. و ما أن تحكم العمال بالحوض المنجمي، قاموا بانتخاب لجانا عوضت السلطات البرجوازية و التي بدأت تحرس على ألا يقع أي عمل نهب.
للأسف تم كبح بروليتاريا العاصمة الإقليمية، أوفييدو Oviedo، من قبل قادتها حتى يتم احترام شروط الإضراب العام "السلمي"، لم تقم إذن بأي نشاط حتى قدوم الفيالق المنجمية إلى محطات المدينة. أدى هذا التأخر إلى إهدار قسط كبير من الطاقة في القتال من أجل العاصمة، المركز البيروقراطي و العسكري للمنطقة. و بسبب هذا التأخر- وإذا كان العمال قد استولوا أخيرا على معامل طروبيا و مصنع الأسلحة- فلم يستطيعوا بالمقابل الاستيلاء على الثكنة الرئيسية حيث تودع الذخيرة. و بالتالي وجد 30 إلى 40 ألف عاملا أستوريا منتفضا أنفسهم بآلاف البنادق دون أية ذخيرة عمليا. كما لو كانوا مسلحين بالعصي...
وقع التأخر نفسه في خيرون Giron، المدينة الرئيسية الأخرى، على الساحل حيث كانت، مع ذلك، للكنفدرالية الوطنية للعمال CNT الأغلبية. لن يُشن الهجوم حتى يوم 6 أكتوبر لكن ليس بنفس طاقة و عزيمة الحوض المنجمي. فلم تخرج الحركة، في خيرون، عمليا من نطاق أحيائها العمالية الثلاثة قبل أن تقمع بعد ذلك انطلاقا من العاشر من أكتوبر، بقدوم البوارج الحربية.
لقد قدمت البروليتاريا الأستورية نماذج بطولية عديدة خلال 15 يوما من المعارك التي خيضت بروح تضحية عالية. فمنذ البدء، كان العديد من العمال يتجاوزون السقف الذي حدده لهم قادتهم لغاية حدود طاقتهم و إمكانياتهم.
ففي 11 أكتوبر أعلنت اللجنة الإقليمية للجنة التحالف العمالية، التي بدأت ترى أن كل شيء قد فُقد بالقدوم القوي للجيش، تفكيك الحركة، فكان بذلك الإفلاس التام للقادة. لجأت عدة لجان محلية، مقتدية باللجنة الإقليمية، إلى التنحي و الاختفاء من ساحة المعركة. فقام العمال، مرة أخرى، بتجاوز، هذه الانهزامية و واصلوا الكفاح رغم كل شيء، مبرزين هذه المرة أيضا تفوقهم على قادتهم.
"لقد نشأت بشكل سريع حركة أخرى رائعة للبروليتاريا الأستورية، فقد كانت أبعد ما تكون عن طأطأة الرأس و التخلي عن نفسها حيث اتخذت، مثل 5 أكتوبر، عدة مبادرات مجهولة المصدر. لقد برزت العشرات من اللجان الغير منتظرة التي أخدت بزمام قيادة الكفاح المسلح و الإدارة. في بعض الأماكن وقع أمر مخجل للذين تخلوا عن النضال، حيث أن اللجنة المنتخبة الجديدة أو الجمعية العامة كانت تقوم بإرسال من يبحث عن القادة الهاربين، و عنذما كانوا يجدونهم، كانوا أحيانا يرجعونهم إلى مناصبهم و يجبروهم على القيام بمهامهم السابقة، و أحيانا أخرى كانوا يعتقلوهم بكل بساطة" (G. Munis)، و ظل الأمر على هذا النحو إلى أن تم تعيين لجنة إقليمية جديدة استطاعت الحفاظ على الكمونة إلى حدود 18 أكتوبر.
كانت الهزيمة، أمام قوات أكثر تفوقا، وحشية و دموية لطبقة عاملة تجرأت على الانتصاب في وجه مستغلِيها. كان الجنرال فرانكو من قاد العمليات من وزارة الحرب بمدريد، فقد تم اختياره لتجربته القمعية الطويلة السابقة في المنطقة حيث قد تم اختياره سابقا، تحت حكم الملكية، لسحق الإضراب العام لسنة 1917 في الأستورياس.
كان يلزم أكثر من 40.000 عسكريا من الحرس المدني، حرس الهجوم، الفيالق المغربية و التييركو(الفرق الأجنبية التابعة لإسبانيا) و سلاح الجو و البحرية من أجل وضع حد لثورة أكتوبر 34. و خلال أهم المعارك التي خيضت، كانت ثقة السلطات تجاه كتائبهم الخاصة جد هشة لدرجة أن الصفوف الأمامية، خلال حملات القمع، كانت مشكلة في الغالب من فيالق "المنضبطين" (Regulares) المغاربة.
أكتوبر أوقف الفاشية
تُمكّن دراسة شاملة للثورة من تبيان الأسباب العديدة التي أدت إلى الهزيمة، لكن يبقى السبب الأساسي ذو طبيعة سياسية و المتمثل في عزلة الانتفاضة في إقليم واحد من الدولة الإسبانية. هذه العزلة مكنت البرجوازية الجمهورية من مركزة جل قواتها العسكرية و القمعية لمواجهة الطبقة العاملة الأستورية.
لقد سبق و رأينا أن شروط انتفاضة على الصعيد الوطني لم تكن معدمة، فلو أن الانتفاضة خيضت بشكل حيوي في كل المناطق، ونفّدت خطة ممنهجة و مباشرة ضد الجيش، كان واضحا أن هذا الأخير قد يتأرجح و ينقسم أمام أعين قادته و حكومته، و لن تبق إلا ثكنات قليلة وفية للحكومة الجمهورية الرجعية.
إن الهزيمة لم تكن أيضا نتيجة نقص في وعي العمال، فالكمونة الأستورية مثال حي و حاسم، حيث أن كل الأخطاء التقنية و العسكرية و أخطاء أخرى كان مصدرها الحقيقي عجز القيادات العمالية (يتعلق الأمر أساسا، في هذه الفترة، بالقيادات الاشتراكية و الفوضوية) عن قيادة الثورة في كل أرجاء البلاد.
إن غياب القيادة هذا ما يفسر غياب خطة عمل، حيث كانت البنادق من دون ذخائر. كانت هناك حالات أخطر مثل رفض عمال السكك الحديدية، بسبب الانقسامات النقابية، الانخراط في الإضراب مما سمح للحكومة أن تتمتع بالحرية المطلقة في نقل الفرق و معدات الحرب.
لكن صراع أكتوبر لم ينته بالهزيمة النهائية، والفضل يرجع إلى البروليتاريا الأستورية. فلربما كنا سنشهد، في حال غياب روحها القتالية و البطولية، سبقا تاريخيا شبيها بالذي وقع في الشيلي سنة 1973، حيث كانت الجماهير تطالب بالأسلحة و بخطة قتال من قادتها، لكن لا الأولى و لا الثانية قد أنجزت.
أو، أسوء من ذلك، في حال ما لم يكن أكتوبر 34 الأستوري، لربما استطاع الفاشيون الانتصار عن طريق صناديق الاقتراع، "ديمقراطيا"، مثلما حدث في النمسا و ألمانيا و إيطاليا مما سيؤدي إلى إحباط عميق للحركة العمالية كلها. فقد شكل أكتوبر الفرق بين إسبانيا و ما حدث في هاته البلدان. لم تكن الفاشية قادرة على الوصول إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع حيث لم تستطع مطلقا كسب الدعم الجماهيري كما حدث، مثلا في ألمانيا، و لم تقو على هزيمة الطبقة العاملة إلا بلجوئها، في الأخير، للحل العسكري خلال حرب أهلية طويلة دامت 3 سنوات.
برهن التاريخ بذلك أنه من الأفضل الانهزام و السلاح في اليد عوض الهزيمة التامة دون قتال. ساهم النضال المثالي للأستورياس في تقوية الروح القتالية للجماهير الثورية، و التي تُرجمت سنتين بعد ذلك، في يوليوز، خلال الهزيمة الأولية للانقلاب العسكري الفاشي. كان أكتوبر بمثابة كفاح الطليعة الحازم الذي هيأ ثورة 1936.
إلا أن الخسائر كانت رهيبة، فقد سقط 5.000 قتيل، أغلبهم قتل خلال القمع الوحشي الذي أعقب الهزيمة، و 7.000 جريحا و 30.000 معتقلا و الآلاف طردوا من عملهم. قامت البرجوازية بالانتقام من المنجميين عن الهلع الذين أذاقوها إياه، حيث "اشترط كالفو صوطيلو Calvo Sotelo، في البرلمان، بقاء النظام الجمهوري بمدة القمع، إن الجمهورية الفرنسية هي التي بقيت، كما قال، و ليست الكمونة (باريس)، و ذلك بفضل قمع الكمونة" («Asturias Contemporánea », David Ruiz).
لكن القمع الأكثر وحشية لم يستطع اقتلاع الرغبة في تشييد مجتمع جديد من قلوب العمال، و لا شيء حال دون محاولاتهم المتكررة للوصول إليه. فكل محاولات خيل روبليس لإغلاق المقرات العمالية كانت تواجه مقاومة باسلة. فأمام إغلاق صحافتها، ردت الطبقة العاملة بتعويضها بمنابر تعبير سرية. و أمام إعدامات ثوريي أكتوبر، ردت مرة أخرى بالإضرابات العامة.
فالعديد من الإضرابات الاقتصادية تشهد على المعنويات الصلبة للبروليتاريا. ففي فاتح ماي 1935. و رغم المجهودات الهيستيرية للحكومة، تمكن العمال من القيام بإضرابات عامة، باستثناء في الخدمات العمومية حيث تتواجد الفيالق الحكومية.
كل ذلك، زيادة على أحداث أخرى مثل الحملات المطالبة بالعفو على السجناء السياسيين، انتهى باستنزاف و كسر الحكومة. لقد خلق هذا الجو الكفاحي روح مهيمنة من أجل وحدة الحركة العمالية، الشيء الذي مكن بالأساس النصر الانتخابي الباهر للجبهة الشعبية في فبراير 1936.
تحولت بذلك هزيمة الكمونة الأستورية إلى نصر جزئي بمنعها انتصار الفاشية في الدولة الاسبانية سنة 1934. لقد برهنت ثورة أكتوبر 34، ضدا على المشككين، أن الطبقة العمالة يمكنها أن تستولي على السلطة في بلد مثل اسبانيا، وقامت بذلك، لأول مرة في تاريخ إسبانيا، تجربة أصيلة و لو وجيزة للديمقراطية الاشتراكية. أبانت خلالها الطبقة العاملة على حقها و قدرتها على التنظيم بشكل ثوري للقيام بالتحويل الاشتراكي للمجتمع.
يمكننا أن نختم بشهادة مناضل ثوري شارك في أحداث سنوات الثلاثينات، مونيس G. Munis، و الذي كتب سنة 1977: "سوف تتذكر دائما الطبقات الثورية بإعجاب الأستورياس الحمراء لسنة 1934 من أجل الإقتداء بالمثل حتى النصر. لقد كان هؤلاء المنتفضون هم من سجلوا في كل مكان هته الشعارات الرهيبة في أعين البرجوازية UHP ! (فلتتوحدوا أيها الإخوة البروليتاريون) و التي صرخ بها الآلاف من الأبطال و هم يسقطون تحت وابل الرصاص. إن عظمتهم المجهولة الاسم و النابعة من أعماق المناجم ستظل مثالا ثوريا لإسبانيا كلها و للبروليتاريا العالمية".
عن موقع حزب العمال الاشتراكي (الفرع البلجيكي للأممية الرابعة)