تتعرض الجمعية المغربية لحقوق الإنسان منذ مؤتمرها التاسع لهجوم اعلامي- تضليلي غير مسبوق. لا أقل من حملة شعواء مفعمة بالحقد والتحامل
مباشرة بعد ان تأكد لقوى محسوبة على اليسار ان نسبتها في أجهزة الجمعية لن تتجاوز نسبتها في كتلة الأعضاء، انطلق الهجوم. وقام المنسحبون بدور بائس في مد أعداء الجمعية بمادة لحملتهم المسمومة.
أكدت الحملة المغرضة ان الجمعية.م.ح.إ- لا تقض مضاجع النظام وحده، بل حتى حلفائه من الديمقراطيين المزيفين. فقد نزل إلى ميدان محاربة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عضو بالمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي مستعيضا عن الحجة ببذاءة اللسان. و لأول مرة تحظى
الجمعية بالعنوان البارز بأعلى الصفحة الأولى لجريدة هذا الحزب.
بعد عقود من الزمن ما زال هذا الحزب يتضايق من الجمعية التى
اعتقد انه دفنها بالانشقاق عنها وتأسيس منظمة أخرى.
و سارع رهط صحافي من أعداء حقوق الإنسان الى تخصيص ملفات عن آخرها لمؤتمر الجمعية، مبدين حرصا منافقا عليها. فهذا يؤاخذها على "تضخيم الجانب الاحتجاجي على جانب القوة الاقتراحية التي ميزتها في السابق" ، وذاك يرميها بجريرة "خدمة أجندة أجنبية"، و آخر يعتبرها " بوقا سياسيا لتنظيم معين"، الخ. وعضو المكتب السياسي الاتحادي يعلن دفنها، بعد ان طال به سدى انتظار موتها.
أين كل هذا الحرص على الجمعية عندما يكون أعضاؤها وقادتها عرضة للتنكيل، ضربا ومحاكمة؟ وقتذاك كان الاتحاد الاشتراكي وأشباهه يقفون في الصف الآخر من المواجهة، مع حاملي العصي، مع الطغاة.
قضايا خلاف ممكن استيعابها بالديمقراطية
ليس ما أثير من قضايا الخلاف، الصحراء والمثلية الجنسية و العلمانية، مسوغا سليما لمغادرة قيادة الجمعية. فكلها قضايا يمكن ان يتواصل النقاش والخلاف حولها داخل الجمعية، ولكل أن يلقي في الميزان ما بجعبته لإقناع الأعضاء. .والحق ان من يهاجم مواقف الجمعية بصدد تلك القضايا ما عليه ببساطة سوى أن يراجع نزعته الديمقراطية. وما حقوق الإنسان غير جانب من الديمقراطية. فأي ديمقراطية ممكنة يا ترى والدولة محكومة بقوانين دينية؟ و أي حقوق إنسان ممكنة و مواطنون مضطهدون بسبب ميولهم الجنسية؟ و من يعارض حلا ديمقراطيا لنزاع الصحراء ويجرأ على ادعاء حقوق الإنسان؟ هل يجب ان تعلن الجمعية تحفظات على المواثيق الدولية كما تفعل الرجعية الحاكمة.
المواثيق الدولية مستنبطة من المبدأ الديمقراطي، وقد تناقض معها الليبراليون ايام الهرج الكاذب حول الإنصاف والمصالحة، بينما تتبناها الجمعية كاملة غير منقوصة.
ابطال الوحدة الترابية الطليعيون، اين كانوا يوم قسم اتفاق مدريد عام 1975 الصحراء ومنح وادي الذهب لنظام موريتانيا التابع للامبريالية الفرنسية؟ باسم الوحدة الترابية ارتكب نظام الحسن الثاني إبادة وحشية بالصحراء مستعملا أسلحة محظورة دوليا. الوحدة الحقيقية يجب ان تشمل الجزائر وموريتانيا، وكل شعوب المنطقة، ولا وحدة بالإكراه، وها هو النظام المغربي، بعد عقود من الوحدة القسرية، يبحث عن حل مقترحا حكما ذاتيا على من اعتبرهم مجرد مرتزقة للجزائر. ان من له حق الحسم في الاستقلال او الاندماج او أي صيغة اخرى هم الصحراويون وحدهم. واي رفض لحق الصحراويين في التعبير عن مطلب الاستقلال موقف لا ديمقراطي، وداعم لسياسة القمع بالصحراء وبغيرها، مهما تقنع بمواقف وطنية. ليس ديمقراطيا من لا يدافع عن حرية التنظيم والتعبير عن الرأي، بما فيه رأي قيام دولة مستقلة بالصحراء.
لماذا مهاجمة الجمعية ؟
النقابات العمالية مستوعبة بالكامل تقريبا من الدولة. بن الصديق باع الاتحاد المغربي للشغل للقصر منذ مطلع الستينات. و الاموي يحطم بسياسته ما تبقى في الكونفدرالية مزايدا في خدمة السلم الاجتماعي و استقرار نظام الاستغلال والاستبداد. سياسيا لا تقدم في بناء يسار مناضل بما يتناسب وجسامة المهام. في هذه اللوحة القاتمة، تضيء الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، مهما يكن من أمر نواقصها. ولهذا بالذات تزعج النظام، الساعي دوما الى تركيعها. ان اخوف ما يخافون هو ان تتطور الجمعية الى منظمة نضال شعبي منغرسة بين الفقراء في الأحياء الشعبية وفي العالم القروي المهمل و بين الشباب. يخافون ان تصبح الجمعية وعاء لسخط شعبي متعاظم انفجر في السنوات الأخيرة أكثر من مرة بمناطق عدة.
يريدون ان تبقى الجمعية في حدود النضال الرمزي، والحملة التضليلية ضدها ما هي الا تهويل للضغط عليها لتلزم الحدود.
لقد أخرجت الجمعية حقوق الإنسان من الصالونات الى الشارع ، متمسكة بمبادئ حقوق الإنسان بلا أدنى تكييف مع الاستبداد، و اصبحت بذلك تثير مخاوف من تخلى عن قيم اليسار. التقدم الذي حققت تنظيميا ونضاليا، وحفزها لتعزيز مكانة الشباب والنساء في هيئات الجمعية، أمور محرجة لمن يسعى الى حصر النضال الحقوقي في معاونة الدولة على تدبير وضع اجتماعي تفجري.
نفض ما تبقى من الإرث الاتحادي في الجمعية هذا هو المطلوب، ومن يتشبت بمبادئ الحقوق الإنسانية لن يخشى السير قدما على درب تنظيم نضالات وطنية من اجل ما جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
الديمقراطية أداة بناء لا غنى عنها
تطوير عمل الجمعية وبنائها في الاوساط الشعبية المعنية بالكفاح من اجل الحقوق الإنسانية ممكن دون تنازل للجماعات التي لا هم لها غير الأجهزة. ولا داع للتخوف من بقاء المتمسكين بخط نضالي ديمقراطي وحدهم داخل الجمعية. هذا دون استصغار رواسب الماضي التي من الوهم اعتقاد زوالها بسهولة، فتجارب الفروع متفاوتة، واليافطة السياسية ليست ضمانة لسلامة الممارسة. فبعض رفاق النهج لم يسلموا، فيما مضى، من السقوط في إغراء تحصيل مقاعد في الاجهزة بالكوطا، و قاموا بذلك في نقابة عمالية، وبثمن السكوت عن الرأي. كما أدت ممارسات لا ديمقراطية من جانب بعضهم الى تكبيل جمعية مناهضة العولمة طيلة سنوات.
وبنظرنا، يجب النظر الى المستقبل، و السير على طريق ديمقراطية حقيقية كاملة بتنظيم الحياة الداخلية بواسطة منابر رأي تمثل في الاجهزة بقاعدة النسبية ، و ضمان حق الأقلية في إيصال رؤاها المعارضة في صحافة الجمعية ونشراتها بقصد إقناع قاعدة الجمعية.
إ.م