يبدو أن قسما من اليسار الجذري قد خدره الابتهاج لمستوى الاستنكاف الشعبي عن الانتخابات لدرجة نسيان التساؤل عن حقيقة هذا الموقف. فعوضا عن النظر في الرفض الشعبي للانتخابات بربطه بحالة أدوات النضال، من نقابات عمالية وأشكال التنظيم الأخرى، وبكفاحية النضالات الجارية، ومضمونها السياسي، ينساق معظم اليسار الجذري الجدي [أي باستبعاد الأسماء بلا مسميات، و الشلل الصبيانية الحاذقة في التطرف اللفظي والشتائم لا غير] وراء موقف الامتناع الشعبي، مستنتجا صحة ما يسميه "المقاطعة"، ومواصلا الدعوة إلى أمر حاصل في الواقع بلا جواب على سؤال: ماذا بعد رفض التصويت؟
الامتناع الشعبي التلقائي عن المشاركة بالانتخابات لا يفتح أفقا بفعل كون الجماهير المقاطعة مذررة وبلا أدوات نضال حقيقية. يعبر موقفها عن قرف سليم من مهازل انتخابية دامت عقودا، وعن سخط على وضع اجتماعي لا يكف عن التردي، لا عن وعي بالبديل و بسبل بلوغه. حالة يبدو أن الليبراليين فاهمون لجوهرها على نحو أفضل من بعض راديكاليينا إذ وصفها عبد العالي بنعمور، الاتحادي سابقا ومؤسس جمعية "بدائل" الليبرالية، بالغضب الهادئ .
الرفض الشعبي للتصويت، كما يجري في السياق السياسي المغربي، نوع من الخطوة إلى وراء نحو لامبالاة بالشأن السياسي. يمتنع الناس عن المشاركة في عملية مغشوشة تجري على الواجهة بأدوار جرى إخراجها من طرف النظام، ويتركون مصيرهم للماسكين الفعلين بزمام الأمور خلف خشبة مسرح الانتخابات والمؤسسات التمويهية. هذا الموقف هو في جوهره لا مبالاة، و إن ساخطة، إزاء النضال السياسي بوجه عام.
سبب القصور الشعبي
إن قصور الموقف الشعبي الرافض للعبة الانتخابية ناتج عن غياب قوة سياسية ثورية تكون قد استعملت كل تجليات الاستبداد لنشر فكر ديمقراطي حقيقي، مبلور في أذهان الجماهير الشعبية في شعارات سياسية رئيسية، بمقدمتها مطلب المجلس التأسيسي.
فكل ما قام به ما يسمى "القوى الديمقراطية" هو إفساد وعي الجماهير طيلة عقود بأوهام السير التدريجي إلى الديمقراطية عبر التوافق مع الملكية، وحرف طاقات تلك الجماهير النضالية وكبحها.
و قد بلغ خط "النضال الديمقراطي بالتوافق مع الملكية" منتهاه البئيس المجسد في حكومة صورية، ما هي سوى اسم توقع به سياسة البنك العالمي والاتحاد الاوربي. والنتائج الملموسة لهكذا وضع هو ما ترفضه الجماهير معبرة بالامتناع عن التصويت.
إن الجماهير تدرك على نحو مبهم ما ترفض، و رفضها منصب أساسا على الواجهة المعروضة عليها، أي على المنفذين المحليين للسياسات الإجرامية المسببة للفقر وشتى ألوان المعاناة. وقد ينصب هذا الرفض على أفراد من حكومة الواجهة، وحتى عليها كلها، وليس على الحكومة الحقيقية، حكومة الظل وسندها الامبريالي. وهذه الجماهير لا تدرك ماذا تريد بالضبط وكيف ستبلغه. وهل ثمة أدل على ذلك من أنها، إذ ترفض الذهاب إلى مكاتب التصويت، لا ترفع أي مطلب سياسي. طبعا لا يمكن مطالبة الجماهير العزلاء من أي تنظيم بذلك الوضوح في مضمون المرفوض والمطلوب. تلك الجماهير مذررة، والمفترض ان منظماتها هي التي ستضع المطالب وتجمع القوة لتحقيقها.
أي منظمات لدى العمال؟ وما طبيعة كفاحهم؟
لا منظمات لعمال المغرب سوى نقاباتهم. و حالها يبعث على بالغ الأسى بعد أن نخرتها البيروقراطية، و سقطت في أحضان النظام. النقاباتان الرئيسيتان [ك.د.ش و إ.م.ش] مجاريتان على طول الخط لسياسة النظام، ودورهما الفعلي هو تأطير العمال بالمعنى الوارد في الدستور أي لخدمة مبادئ ذلك الدستور الاستبدادي. لقد أضحتا أداة بيد الدولة لضبط الساحة العمالية، لا أداة كفاح بيد العمال. لا حياة فعلية في المنظمات النقابية، لا برامج عمل ونضال فعلية، لا صحافة. منظمات ممزقة الأوصال، بلا بوصلة.
يجتاز النضال النقابي منذ عشر سنوات إحدى أسود صفحات تاريخه، فقد شهد سقوطا كميا ونوعيا لم ينهض منه بعد. فعلى صعيد كمي تظل الإضرابات بالقطاع الخاص في مستوى ضعيف جدا، حيث سجل عدد المضربين متوسطا في العامين 2007-2008 لا يتعدى 17 ألف مضرب، أي نصف متوسط العامين 1999-2000 [وزارة التشغيل: جدول تطور نزاعات الشغل الفردية والجماعية –منشور بجريدة ليبراسيون 1 مايو 2009]. ونوعيا تظل الإضرابات بالقطاع الخاص على آخر خطوط الدفاع: تأخر الأجور، ضمان فرص العمل، و الحق النقابي. والصورة النمطية اليوم للنضالات هو الاعتصام على اثر الإغلاق. أما بالوظيفة العمومية فقد تفككت قلاع العمل النقابي بقطاعات أساسية كالتعليم والبلديات والصحة، وفتك النزوع الفئوي بالجسم النقابي، والصورة النمطية للنضال هي إضرابات 24 ساعة او 48 ساعة مجزأة ومبتورة المطالب بوجه هجوم الدولة متعدد الجبهات والكاسح.
و قد تجلى الضعف النقابي الخطير في تمكن الدولة من إنجاح هجومها الكاسح، الذي حطم مكاسب تاريخية و فرض تقهقرا اجتماعيا غير مسبوق، بتوجيه من الامبريالية بلا أدنى ما يمكن ان يكون عليه رد إجمالي من الطبقة العاملة.
ما تقوم به بيروقراطية النقابات، لا سيما بالكونفدرالية الديمقراطية للشغل، من تلاعب بسلاح الإضراب العام إنما يفقد هذا السلاح الاعتبار بتحويله إلى حركة محدودة بلا هدف غير الضغط المحسوب، وتوجيه الإنذار، بدل اعتباره وسيلة تطبق بنحو غير محدود لتحقيق عدد من المطالب.
وتاريخيا ظل نضال الطبقة العاملة بالمغرب، بعد 80 سنة من أولى نضالاتها، مطلبيا لم يكتس قط طابعا ثوريا، وأي من كفاحاتها لم يهز الطبقة برمتها. و ضعف التطور السياسي للطبقة العاملة هذا ما يسهل جرها الى مسالك غريبة عن مصالحها الأساسية الخاصة بها.
توجد الطبقة العاملة في وضع تراجع غير مسبوق لكفاحيتها النقابية، نتج عنه اجهاز على مكاسب موروثة عن كفاحات أيام الاحتلال، وفي وضع تخلف سياسي شديد ناتج عن تعثر تاريخي لمحاولات بناء حزبها السياسي الخاص، وعن عقود من الهيمنة السياسية لقوى غير عمالية على قسمها المنظم.
و لا يزال هذا الوضع مكرسا بنوع تدخل القسم الأكبر من اليسار الجذري داخل النقابات العمالية، إذ انه أقرب إلى عمل تكتل بيروقراطي غايته الظفر بالمناصب في الجهاز النقابي، وليس تكتلا سياسيا يتصدى لإصلاحية البيروقراطية وتعاونها الطبقي مع النظام بخط نضال كفاحي يذود عن مصالح الشغيلة الآنية والتاريخية. و في آخر المطاف، تبث بالتجربة المديدة أن وجود يساريين ببعض المواقع القيادية بالنقابات سوى تمويها لاستبداد البيروقراطية بتمثيل رمزي لمعارضيها المفترضين.
والحال هذه، ماذا دور عمال المغرب بالساحة السياسية اليوم؟ قسم منهم مستغفل في أحزاب معادية لمصالح الطبقة العاملة الآنية ناهيك عن التاريخية، والقسم الأعظم منعدم سياسيا. يكفي التساؤل : كم من عامل اشتراكي ثوري يوجد بمغرب 2009؟ سؤال بسيط لكنه يجمل كامل مأساة البروليتاريا المغربية.
وباقي الكادحين؟
يصعب اعتبار الجمعيات الحقوقية منظمات نضال شعبي، أي منظمات تنظم الكادحين وتقود كفاحاتهم. وهي على كل حال لم تدع ذلك أبدا. إنها اقرب إلى مراصد ومراكز إصدار تقارير، وفي أحسن حال جماعات ضغط. ولعل أبلغ مثال، يهم أكثرها مصداقية، هو موقف الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لما تدفق الحشد الشعبي بصفرو يوم 23 سبتمبر 2007، حيث دعت الجماهير إلى فض التجمهر بعد 45 دقيقة من الاحتجاج، فسارت الجماهير من تلقاء نفسها تطلب مفاوضة عامل الإقليم وتتصدى للقمع.إن نضالات الكادحين دفاعية، اغلبها عديم التنظيم، وأرقاها أولي التنظيم والمطالب.
إن ما شهده العقد الأخير من كفاحات الكادحين ببعض المناطق المهملة [ ايت بلال، طاطا، بوعرفة ، ايفني...] مميز ولافت للنظر لا بمضامين مطالبه، بل لأنه نهوض انبثق بعد عقود ظلت خلالها تلك المناطق خلوا من أي مقاومة لجبروت النظام، لا غير. فهي لم تتخط قط حدود مطالب اجتماعية أولية، علاوة على انطوائها على ضرب من الأوهام ملازم لكل حركة جماهيرية ناشئة، وعدم اهتدائها بعد إلى أشكال تنظيم ذاتي ( نقصد المعنى الماركسي الثوري الدال على أدوات تصنعها الجماهير في خضم الكفاح، مثل لجان الإضراب على مختلف المستويات، و المجالس العمالية والشعبية، وليس المنظمات الدائمة كالنقابات والاتحادات المهنية الأخرى كما هو رائج خطأ ً لدى معظم اليسار الجذري المغربي). خاصيات حركة النضال الشعبي هذه جلية بقوة في حالة ايفني ايت باعمران التي بلغت، قياسا بباقي المناطق، أرقى مستوى، منذ الاستقلال الشكلي، في المطالبة بواسطة المظاهرات والتصدي للقمع.
وقد دل التصويت الواسع على المستعدين للتعاون مع المخزن[ فريق الوحداني] في انتخابات بلدية ايفني على حدود الحركة لا سيما مع نقص التضامن وانعدام الامتداد.
خلاصة القول إنه لا توجد قوة يسارية ثورية ذات وزن للاضطلاع بمهمة التربية السياسية للعمال، في خضم كفاحات تحسين أوضاع الاستغلال، كما في فرص النشاط السياسي المكثف ضد أشكال الاضطهاد السياسي، و حتى في حملات الانتخابات. اما جماهير البرجوازية الصغيرة الحضرية [تجار صغار وحرفيين، ...] والقروية [صغار الملاكين]، و باقي الكادحين المنفصلين طبقيا [أشباه العاطلين، وممتهني الأنشطة الهامشية،...]، والتي تشكل قسما من قاعدة النضال من اجل الديمقراطية فإما رازحة في الجهل التام واللامبالاة السياسية او تشكل منهلا لقوى الرجعية الدينية.
و بعدُ ...
ليس نفور الجماهير الشعبية من الانتخابات والمؤسسات الزائفة نضالا ضد الدكتاتورية القائمة بقدر ما هو شرط موضوعي موات، لكن غير كاف، لتقدم هكذا نضال. إذ يلزم تدخل حركة سياسية بمطالب وشعارات نضال توجه الرفض الشعبي وتحوله إلى قوة واعية مقدامة. وهذا التدخل يجري أساسا في النضالات، وكذا بعمل دعاوي وتحريضي بمختلف الوسائل، ومنها استعمال الانتخابات والمؤسسات، أيا كان زيفها.
بتبني موقف الجماهير غير المبالي (الرافض بكيفية سلبية) هذا لن يكون الثوريون حزبا يقود نضال الجماهير من اجل الديمقراطية والاشتراكية بل سيسيرون في ذيلها. موقف اليسار الجذري ليس مقاطعة بمعناها المعروف في تاريخ النضال العمالي، فالمقاطعة هي السعي إلى الحؤول دون انتخاب مؤسسة برجوازية مع النضال لأجل بديل آني لها، أي قيام مد ثوري عارم يستبدل مؤسسات رجعية بأخرى ثورية. "المقاطعة" المغربية مجرد امتناع عن التصويت بمبرر أن المؤسسات لا تتيح تغييرا وان أي مشاركة في تلك الحالة مفيدة للنظام ليس إلا. كل المبررات التي عادة ما يحاجج بها رافضو استعمال النشاط الانتخابي بنت منطق إصلاحي، مهما بدا جذريا، منطق يحتمل إمكان تحقيق تغيير فعلي بالانتخابات والمؤسسات. فترى أصحابه يشترطون للمشاركة توافر النزاهة والقوانين الديمقراطية وإمكان تتويج العملية بتناوب حكومي حقيقي. وهذا المنطق لا مكان فيه طبعا للنقد الماركسي للديمقراطية البرجوازية. انه إذن منطق إصلاحي برجوازي.
لذا يمثل تصحيح موقف اليسار الجذري العقيم من استعمال الانتخابات سبيلا من سبل تدخل سياسي فعال، ينير للجماهير الكادحة أسباب ما تعانيه من أهوال، ويدلها على طريق بناء بديل ديمقراطي واشتراكي. لكن الأعظم أهمية هو التدخل في النضالات الجارية، العمالية والشعبية، من أجل تنظيمها وتوسيعها وتعميقها وتكثيفها، فعلى هذا الصعيد يتغير ميزان القوى الذي يتوقف عليه مستقبل عمال المغرب وكادحيه.
رفيق الرامي