جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

 هل ثمة حاجة إلى أممية خامسة؟


الجمعة 11 كانون الأول (ديسمبر) 2009

ميكائيل لووي


ليست الأممية الخامسة الشبح الأحمر المرعب لأوربا والعالم الذي تحدث عنه ماركس في البيان الشيوعي، لكنها فكرة بدأت تروج. قبل وقت وجيز كانت صحيفة من صحف أرباب العمل، "نشرة رجال صناعة التعدين"، تتكلم عن خطر أممية خامسة. لا ندري من أين جاءت بهذه الفكرة.

المنظمات الأممية لكن قبل الحديث عن الأممية الخامسة، لابد من حصيلة مقتضبة للأمميات التاريخية الأربع. ماذا تبقى منها في مطلع القرن 21؟

الأممية الأولى، التي تأسست في العام 1864 بلندن، كان ماركس محرر بيانها الافتتاحي و قد اختتم هذا الأخير بالصيغة الشهيرة:" تحرر العمال سيكون من صنع العمال أنفسهم". شارك أنصار ماركس وپرودون في الجمعية الأممية للشغيلة رغم ان ماركس كان له تأثير أكبر و صاغ بعض الأدبيات الرئيسة للأممية. ولم تكن علاقاتهما نزاعية فقط، ففي مؤتمر بروكسيل في العام 1868 أتاح التحالف بين الماركسيين والـپرودونيين اليساريين، مثل اوجين ڤارلان، بطل كومونة باريس اللاحق، تبني برنامج تجميع للملكية، كان يقترح الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج. وكان العلاقات مع باكونين وأنصاره أشد تعقيدا، ما أدى إلى انشقاقات والى حل الجمعية الأممية للشغيلة، بعد ترحيلها التعس في 1872 إلى الولايات المتحدة الأمريكية (فكرة سيئة من ماركس). واصلت الجمعية الأممية للشغيلة الوجود عبر التيار المنشق الفوضوي [اللاسلطوي أدق] فقط معتبرا نفسه وريثا لتلك الأممية المؤسسة في لندن في 1864. وجودها اليوم رمزي بالأحرى، لكن التيارات المجددة للاشتراكية اللاسلطوية، الأكثر دينامية وانفتاحا، تمكنت اليوم من بناء شبكة " تضامن أممي لاسلطوي"، تضم منظمات أهم مثل الكونفدرالية العامة للعمال (الدولة الاسبانية)، والبديل اللاسلطوي ( فرنسا)، والفيدرالية اللاسلطوية بأوروغواي، الخ. وعلاوة على ذلك شهدنا في السنوات الأخيرة تطورا دالا لتيارات لاسلطوية داخل الحركة من أجل عولمة بديلة، بعضها تحت لواء الجمعية الأممية للشغيلة، وأخرى في التضامن الأممي اللاسلطوي، لكن الكثير منها بلا انتماء أممي.

تأسست الأممية الثانية من قبل فريدريك انجلز في العام 1889، وانهارت في العام 1914 عند مساندة فروعها للحرب الامبريالية. وأعيد تشكيلها في سنوات 1920، بتوجه إصلاحي بشكل نهائي، ومن جديد أعيد تنظيمها في شكل جديد – أي الأممية الاشتراكية لما بعد الحرب العالمية الثانية. إن الأممية الاشتراكية حاليا تجمعٌ قليل التجانس من الأحزاب والحركات، من أصل أوربي وأمريكي لاتيني في المقام الأول، من جبهات تحرير مثل الجبهة الساندينية للتحرير الوطني بنيكاراغوا، أو جبهة فارابوندومارتي بالسلفادور- حتى أحزاب مناصرة للامبريالية من قبيل حزب العمال البريطاني لتوني بلير. وإن الاشتراكية-الديمقراطية المعتدلة أي الاشتراكية الليبرالية مثل الحزب الاشتراكي-الديمقراطي الألماني، والحزب الاشتراكي الفرنسي، والحزب الاشتراكي العمالي الاسباني، هي السائدة. لم يبق الهدف، كما في عصر انجلز و ويلهلم ليبكنخت وجان جوريس، متمثلا في إلغاء الرأسمالية وتحويل اجتماعي للمجتمع، بل تسيير اجتماعي للرأسمالية النيوليبرالية. ولا تشتغل الأممية الاشتراكية كمنظمة سياسية، بل بالأحرى كناد للنقاشات، وفضاء للمفاوضات السياسية-الدبلوماسية.

كانت الأممية الثالثة المحاولة الأهم لبناء جمعية أممية للأحزاب البروليتارية ذات توجه معاد للامبريالية و ثوري. كانت الأممية الثالثة خلال سنواتها الأولى (1919-1924)، رغم سمات تسلطية عديدة و انضباط من الطراز العسكري، منظمة أممية حقيقية، شاركت فيها شخصيات مثل انطونيو غرامشي، و كلارا زيتكن، و اندريس نين، و خوسيه كارلوس مارياتيغي . بعد وفاة لينين، تحولت الاممية الشيوعية تدريجيا، تحت قيادة البيروقراطية الستالينية، إلى أداة للسياسة السوفيتية " لبناء الاشتراكية في بلد واحد". بيد أن أوجها أممية حقيقية استمرت في النضالية الشيوعية، مثل ما تدل عليه المشاركة المهمة في الألوية الأممية في اسبانيا (1936-1938).

في العام 1943، قام ستالين، طبقا لتوقيع اتفاق مع حلفائه تشرشل و روزفلت، بحل الأممية الشيوعية، دون أن يحد ذلك من تبعية الأحزاب الشيوعية بالعالم التامة، سياسيا وفكريا وتنظيميا، إزاء الحزب الشيوعي السوفييتي. ومع تفكك المسمى زيفا "الاشتراكية القائمة فعلا" بدءا من العام 1989، دخل ورثة الأممية الثالثة في أزمة أفضت بهم، ما خلا استثناءات نادرة، إلى التهميش السياسي او التحول الاشتراكي الديمقراطي. فقط بعض الأحزاب، مثل حزب إعادة البناء الشيوعية بايطاليا، نجحت في إعادة توجه قاطع مع ماضيها الستاليني و تبنت توجها جديدا جذريا مفتوحا لإسهامات الحركات الاجتماعية [*]

أما الأممية الرابعة، التي أسسها ليون تروتسكي في العام 1938، فهي متحدرة من المعارضة اليسارية العالمية، وكانت هذه تيارا مناهضا للبيروقراطية داخل الأممية الشيوعية. وقد أضعفها اغتيال تروتسكي وقادة آخرين عديدين- سواء بأيدي الفاشية أو الستالينية- وبانشقاقات عديدة. و لم تتمكن أبدا من التحول إلى حركة جماهيرية، رغم أن مناضليها قاموا بدور هام في أحداث مايو 1968 في فرنسا، وفي الحركة المناوئة للحرب في فيتنام بالولايات المتحدة الأمريكية، و في مقاومة الديكتاتوريات ببلدان عديدة بأمريكا اللاتينية. كانت الأممية الرابعة تسعى إلى إنقاذ تراث ثورة أكتوبر من الكارثة الستالينية، والى تجديد نظرية وممارسة الماركسية الثورية بمساعدة مناضليها وقادتها – ارنست ماندل، ليفيو مايتان، هوغو بلانكو، وراوول بونت، آلان كريفين، ودانيال بنسعيد .

تعززت قوى الأممية الرابعة- التي ينتمي إليها كاتب هذه السطور- في السنوات الأخيرة (توجد في عشرات البلدان)، لكنها تظل منظمة ضعيفة عددا وموارد. باستثناء الفلبين وسريلانكا، و تتركز معظم قواها في أوربا وأمريكا اللاتينية. شارك مناضلوها ومناضلاتها، كتيار منظم، في تأسيس تجمعات أوسع، مثل اعادة البناء الشيوعية في ايطاليا، والتحالف الاشتراكي ثم Respect في انجلترا، والكتلة اليسارية في البرتغال، والجبهة الواسعة في أوروغواي، وحزب الشغيلة في البرازيل. وبخلاف تيارات أخرى او عصب تتبنى التروتسكية، لا تعتبر الأممية الرابعة نفسها الطليعة الثورية الوحيدة، وهدفها الإسهام في تشكيل منظمة أممية جديدة ذات طابع جماهيري، لن تكون هي غير إحدى مكوناتها.

المقاومة الأممية للرأسمال

بات لمسألة المقاومة الأممية للرأسمال في أيامنا هذه راهنية جلية. لم يسبق قط أن تمكن الرأسمال من ممارسة هذا القدر من السلطة المطلقة واللا محدودة على الكوكب برمته. و لم يتمكن قط من فرض قوانينه وسياساته و عقائده الجامدة ومصالحه على كل أمم العالم كما يفعل اليوم. لم يسبق قط أن كان ثمة شبكة من المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمنظمة لعالمية للتجارة – غايتها التحكم بحياة البشرية وإدارتها طبقا للقوانين الصارمة للسوق الحرة الرأسمالية و الربح الحر. و لم يسبق قط للشركات متعددة الجنسيات وللأسواق المالية أن نجحت في ممارسة ديكتاتوريتها الشاملة على نحو عنيف لهذه الدرجة. وأخيرا لم يسبق قط لسلطة قوة امبريالية واحدة، الولايات المتحدة الأمريكية، أن كانت بهذا الاتساع والغطرسة. إننا نشهد اليوم، كما كتب ماركوس إلى " الزاباتيين الأوربيين" (18 أغسطس 1995) حربا حقيقيا يشنها المال والرأسمال المالي العالمي ضد الشعوب وضد البشرية والثقافة والتاريخ.

إن هجوم الرأسمال والحكومات النيوليبرالية التي تخدمه – الذي بدأ في سنوات 1980 مع رونالد ريغن ومارغريت تاتشر – قد شهد ذروته مع سقوط جدار برلين وإعادة الرأسمالية في بلدان الشرق. تم الإعلان على نحو ظفراوي في كل العواصم الغربية عن "موت اليوتوبيا" ( أو الثورة، أو الماركسية) و "نهاية التاريخ". في سياق الاندحار وتيه اليسار هذا، بزغت مثل شرارة مضيئة في الظلام، الانتفاضة الزاباتية في العام 1994. وبعد سنتين، انعقد في جبال التشياباس اللقاء متعدد القارات من أجل الإنسانية وضد النيوليبرالية – وكان حدثا ذا وقع عالمي ضم لأول مرة منذ سنوات عديدة مناضلين وناشطين ومثقفين من مختلف الاتجاهات، من الشمال ومن الجنوب، من الولايات المتحدة الأمريكية ومن أوربا.

صدر عن هذا اللقاء نداء تاريخي لرفع راية أممية الأمل ضد "أممية الإرهاب الممثلة في النيوليبرالية" كما جاء في بيان رياليداد الثاني، والنهوض بالمهمة الضخمة المتمثلة في "خلق شبكة جماعية لكل نضالاتنا و مقاوماتنا الخاصة. شبكة بين القارات للمقاومة ضد النيوليبرالية، شبكة بين القارات من اجل الإنسانية. وستسعى هذه الشبكة بين القارات، وهي تعترف بالفروق وبأوجه التشابه، إلى الارتباط بمقاومات أخرى في العالم برمته. و ستكون هذه الشبكة الوسيلة التي تسند بها مختلف المقاومات بعضها بعضا". يمكن اعتبار لقاء التشياباس في 1996 اللحظة الأولى لحركة النضال من اجل عولمة بديلة التي تتجلى اليوم بنشاط في بقاع العالم كلها. و رغم أن تلك المبادرة ظلت بلا تتمة مباشرة، حيث فشلت مبادرات تنظيم لقاءات أخرى من هذا النوع، مستوحية للمثال الزاباتي، في أوربا وأمريكا اللاتينية- كانت نقطة انطلاق، شهادة ميلاد، لنزعة أممية جديدة معادية لليبرالية وللامبريالية.

بعد ذلك ببضع سنوات، كان احتجاج سياتل الكبير (1999) وأصبح الحامل الرئيسي لهذه النزعة الأممية، حركة المقاومة الشاملة، والتي أطلقت عليها خطأ صحافة اليمين نعث "مضادة للعولمة". اندفعت حركة الحركات هذه في مظاهرات براغ، وستوكهولم، وبروكسيل، وبانكوك، وواشنطن، وبرشلونة، و جنوة، وأخيرا في فلورانس، وباريس، و مومباي... بمشاركة عشرات، ثم مئات آلاف المتظاهرين- و في المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو اليغري (2001-2002-2003) ومومباي (2004) و المنتدى الاجتماعي الأوربي (2002-2003- 2004) واجتماعات أخرى محلية أو قارية.

هذه الحركة من أجل عولمة أخرى – من أجل عالم مغاير- حركة واسعة و بالضرورة غير متجانسة. لكنها ولدت مباشرة بقوام عالمي، دولي وأممي. و رغم تنوعها، اتحدت حول مبادئ أساسية:" العالم ليس سلعة"، " عالم آخر ممكن" " لا للحرب ". أنها مبادئ عامة لكن يجري الدفاع عنها بجدية، وتنطوي على قوة تمرد شديدة البأس. كما تجسدت الوحدة حول بعض المطالب الملموسة مثل إلغاء ديون بلدان الجنوب، و إلغاء الفراديس الضريبية، وفرض ضريبة على المعاملات المالية، و وقف إنتاج المواد المعدلة وراثيا، و المساواة بين الرجل والمرأة، الخ. وثمة أخيرا إجماع واسع حول تحديد العدو: النيوليبرالية، وصندوق النقد الدولي، والبنك العالمي، والمنظمة العالمية للتجارة ، والإمبراطورية الأمريكية. أما فيا يخص البدائل عن النظام السائد فثمة مروحة واسعة من الإجابات: تمتد من ضبط النظام حتى تحويله الثوري (الاشتراكي).

ربما كان التنوع عقبة، لكنه أيضا ثراء. نقابيون، نسوانيون، ماركسيون، لاسلطويون، بيئيون، مسيحيون من اجل التحرر، اشتراكيون من مختلف الاتجاهات والحساسيات، حركات فلاحين وسكان أصليين وحركات شعبية، ومنظمات غير حكومية ومثقفون والكثير من الشباب والنساء والعمال بلا انتماء آخر يشاركون في الحركة من أجل عولمة بديلة ويريدون الاحتجاج والتظاهر والنضال والنقاش مع الآخرين. إنها مناسبة فريدة للقاء والنقاش والتعلم المتبادل – سيرورة مبادلات ثقافية يكتشف فيها كل واحد أفكار واقتناعات الآخرين دون التخلي عن تلك الخاصة به، ويدمجها في تفكيره وممارسته. من امتزاج وانصهار كل هذه المكونات يولد كوكتيل تفجري، الثقافة الأممية الجديدة للحركة. جلي أن هذه السيرورة في بدايتها فقط، لا زلنا بعيدين عن بلوغ توجه مشترك، لكن بوسعنا التقاط تشكل روح جديدة للحركة: جذرية وكفاحية و معارضة للاحتواء المؤسسي.

"أممية بهندسة متغيرة"

هل يتعلق الأمر بنوع من "الأممية الخامسة"؟ نعم ولا. إننا إزاء ضرب من "أممية بهندسة متغيرة"، تتشكل على ثلاث مستويات. الأول، وهو الأبرز، متمثل في المنتدى الاجتماعي العالمي، بما هو مكان للنقاش واللقاء، و مظهر عمومي عالمي للحركة. وقد بات للمنتدى الاجتماعي العالمي، مع امتداداته بمختلف القارات والمناطق، مستوى معين من التنظيم العالمي. لجنة تنفيذية عالمية وكذا لجان قارية. لكن هذه المنظمات، شأنها شأن المنتدى ذاته، غير متجانسة، ولا تشتغل كقوة سياسية عالمية. وهدفها لا يجاوز تنظيم المنتدى الاجتماعي العالمي والمنتديات القارية.

المستوى الثاني، مستوى الشبكة العالمية للحركات الاجتماعية، أكثر نضالية وتوجها نحو الممارسة. وتضم المنظمة العالمية للفلاحين بيا كامبيسينا - وفيها حركة العمال بلا ارض بالبرازيل والكونفدالية الفلاحية بفرنسا- والاتحاد الواحد للعمال بالبرازيل وحركة اطاك الدولية، الخ. إنها أهم القوى الاجتماعية داخل تلك المنتديات، وتنشر في نهاية كل منتدى وثيقة تستعيد فيها بعض عناصر التحليل السياسي- المناهض للامبريالية ولليبرالية- وتدعو بالخصوص إلى مبادرات احتجاج مشتركة. هكذا تقرر في العام 2002 في فلورانس، في لقاء الحركات الاجتماعية الأوربية، تنظيم يوم احتجاج ضد الحرب الامبريالية بالعراق يوم 15 فبراير 2003، وقد شهد النجاح الخارق المعروف.

المستوى الثالث خاص بالقوى السياسية، لكن موجود في حالة افتراضية فقط. ينقص حركة الحركات شبكة منظمات سياسية- أحزاب، جبهات، حركات- بوسعها اقتراح مشروع بديل داخل الحركة من أجل عولمة بديلة، بديل يجاوز الرأسمالية ومنظور مجتمع جديد، بلا مضطهدين ولا مضطهدين. شيء من هذا القبيل قائم في أوربا، إنها ندوة اليسار الأوربي المعادي للرأسمالية التي ينتمي إليها الحزب الاشتراكي الاسكتلندي والعصبة الشيوعية الثورية بفرنسا وكتلة اليسار بالبرتغال والتحالف الأحمر الأخضر (الدانمرك) و آخرون. رغم اختلافها، تتقاسم هذه التيارات نفس الرفض للعولمة الرأسمالية، وللسياسات النيوليبرالية وللحروب الامبريالية. و تتقاسم نفس التطلع إلى بديل "ايجابي" معاد للرأسمالية، و مناوئ للبطريركية، و بيئي، و أممي :" مجتمع اشتراكي وديمقراطي، بلا استغلال للعمل ولا اضطهاد للنساء، قائم على تنمية مستدامة – اشتراكية من أسفل، قائمة على التسيير الذاتي" (تصريح يونيو 2002 لندوة اليسار الأوربي المعادي للرأسمالية). وقد عقد لقاء على صعيد متعدد القارات بمناسبة المنتدى الاجتماعي العالمي بمومباي (2004).

منظمة أممية جديدة ...

إن أمكن تمديد هذه التجربة إلى قارات أخرى و بناء شبكة تضم ، على نحو عريض، الحساسيات السياسية الأكثر جذرية للحركة العولمة البديلة، فسنكون إزاء النواة السياسية "للأممية الجديدة"، التي لا يجب أن تسمى بالضرورة"الخامسة" لأن كل التيارات لا تتمسك حتما باعتبار نفسها ضمن تراث المنظمات الأممية العمالية و الاشتراكية السابقة. يمكن تسميتها " الندوة العالمية لليسار المعادي للرأسمالية" أو "الاتجاه من اجل أممية جديدة" أو أي اسم آخر قد يخترعه خيال المشاركين الخلاق.

يمكن لهذه المنظمة الأممية أن تدمج على نحو انتقائي الإسهام الايجابي للأمميات البروليتارية الأربع. وستكون وريثا لبابوف، وفورييه، وماركس، وباكونين، وبلانكي، وانجلز، وروزا لوكسمبورغ، ولينين، وايما غالدمان، وبونافنتورا دوروتي، و غرامشي، وتروتسكي وايمليانو زاباتا، و خوسيه كارلوس مارياتيغي، و سيزار ساندينو، و فارابوندو مارتي، و ارنستو تشي غيفارا، و كاميلو توريس، واميلكار كابرال، و باتريس لومومبا، وبابلو نيرودا و ناظم حكمت، والمهدي بنبركة، و مالكوك اكس- و غيرهم كثيرون. لكن مرجعيتها الرئيسة ستكون الحركات الاجتماعية الراهنة، وبالمقام الأول حركة المقاومة العالمية للعولمة.

من ضمن المنظمات الأممية السابقة، ربما تكون الأممية الأولى مصدر الهام – طبعا في الشروط السياسية الراهنة المخالفة كليا- بصفتها حركة متعددة ومتنوعة وديمقراطية يمكن للآراء السياسية المختلفة أن تتلاقى داخلها في التفكير والممارسة. لا يعني الأمر أن الكيفية الذي تشكلت بها واشتغلت الأممية الأولى قابلة للتكرار اليوم. يستحيل التنبؤ بالشكل التنظيمي الذي قد تكتسيه هذه القوة السياسية العالمية الجديدة – فيدرالية غير ممركزة، شبكة منظمة، أو فقط مجرد ندوة تنظم لقاءات دورية- لكن ستجنح بالضرورة إلى المرونة والانفتاح والاستغناء على بينة بيروقراطية شكلية. المثال أن تضم لا الأحزاب والجبهات وحسب، بل حتى مجلات اليسار ومجموعات البحث والحركات الاجتماعية والمثقفين.

كيف يمكن أن يتحدد المجال السياسي-الاجتماعي لهذه المنظمة الأممية الجديدة؟ يبدو جليا بنظري أن معاداة الامبريالية والرأسمالية -أي الاقتناع أن إلغاء الرأسمالية بما هي نظام عالمي خطوة ضرورية لكن غير كافية لإلغاء المظالم الاجتماعية و أشكال الاستغلال و الاضطهاد - هما المعيارين الأساسيين. كما يمثل منظور مجتمع جديد حر، ديمقراطي، مساواتي، متضامن، بيئي، نسواني، - بالنسبة لي ولرفاقي مجتمع اشتراكي، لكن هذا قد يكون مسألة مفتوحة- عنصرا أساسيا آخر. لكن في إطار سيرورة تشكيل هذه الشبكة ستحدد الأسس المشتركة والأرضية السياسية للمنظمة الأممية الجديدة.

إحدى أولى مهام هذا التيار هو الإسهام في تطوير، وتعزيز، وتوسيع وتجذير الحركة من اجل عولمة بديلة، بالعمل داخلها بشكل وحدوي، وديمقراطي، و محترم لتعدديتها.

الإسهام الزاباتي

يجب على المنظمة الأممية الجديدة أن تتعلم كثيرا من التجربة الزاباتية. ثمة في المقام الأول روح التمرد، واللاامتثالية، والمعارضة الشرسة للنظام القائم. إن اللقاء بين القارات في العام 1996 قد حدد المعركة ضد الرأسمالية النيوليبرالية – أي ضد تسليع العالم والكائن البشري- هدفا مشتركا لكل المقصيين والمضطهدين والعمال في الحقول والسكان الأصليين والنساء و افتراضيا كل البشرية ضحية الجنون النيوليبرالي. هذا الكفاح كفاح من أجل الإنسانية، أي من اجل كرامة البشر- وهذا مفهوم متصل بالكامل بالنزعة الإنسانية الثورية لدى ماركس و تشي غيفارا، وأيضا بتجربة جماعات السكان الأصليين في التشياباس.

ويتمثل إسهام آخر كبير من الجيش الزاباتي للتحرير الوطني هفي التمفصل بين البعد المحلي (نضالات السكان الأصليين في التشياباس من أجل حكمهم الذاتي) و البعد الوطني (النضال من أجل الديمقراطية بالمكسيك وضد السيطرة الامبريالية الأمريكية) و البعد العالمي (الحرب ضد النيوليبرالية ومن أجل الإنسانية). إن الحركات الثلاثة وثيقة الارتباط في فكر الزاباتيين وممارستهم ، ضمن رؤية ديالكتيكية بأكثر من الصيغة الفقيرة لبعض المنظمات غير الحكومية :"التفكير عالميا والفعل محليا". وأخيرا تمد الزاباتية النزعة الأممية للقرن 21 بنزعة كونية جديدة، ليست مجردة ولا اختزالية، بل مبنية على الاعتراف بالفروق: التطلع إلى "عالم قادر على احتواء عوالم أخرى كثيرة."

من أين يجب أن نبدأ؟ كما يؤكد رفيقنا دانيال بنسعيد [**]، نقطة الانطلاق هي قوة الاستياء التي لا تقهر، الرفض اللامشروط للظلم ، عدم الخضوع: الاستياء بداية. طريقة للنهوض وبدء السير. نستاء وننتفض ثم نرى. إذا نجحنا في تجميع القوى التي يحركها الاستياء ضد النظام القائم، في ربوع العالم، والتمرد ضد الأقوياء والأمل في عالم آخر ممكن، فستكون لدينا مكونات منظمة أممية جديدة- برقم أو بدونه.

التعريب: جريدة المناضل-ة جرى من الترجمة الفرنسية بموقع حزب العمال الاشتراكي – بلجيكا

****************

ميخائيل لووي مكلف بالبحث بالمركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا. مناضل في الأممية الرابعة، ومؤلف كتب عديدة منها : فكر تشي غيفارا، نظرية الثورة عند ماركس الشاب، الديالكتيك والثورة، الماركسية ولاهوت التحرير، أوطان أو كوكب،النزعات القومية والنزعات الأممية من ماركس الى ايامنا هذه، حرب الآلهة ، الخ. المقال المنشور هنا صيغة محينة، و مراجعة و مصححة من طرف الكاتب، ُنشرت أولا بالمكسيك في مجلة زاباتية (Revista Rebeldia) .

* ملاحظة من المترجم : حتى حزب إعادة البناء الشيوعية بايطاليا انحط إصلاحيا وبات ما بقي منه مجرد حزب ديمقراطي

**: كتاب دانيال بنسعيد Les irréductibles, Théorèmes de la résistance à l’air du temps, Paris, Textuel, 2001

المناضل-ة عدد 28

ميكائيل لووي

  سقوط الديكتاتورية الفاشية بالبرتغال
  تشي غيفارا: الشرارة التي لا تنطفأ
  الدولة-الأمة والقومية و العولمة و الأممية
  راهنية الثورة الدائمة
  ما هي الاشتراكية البيئية؟

الأممية الرابعة

  بيان تضامن مع نضال عمال المكسيك !
  ديكتاتورية البروليتاريا والديموقراطية الإشتراكية
  هدفنا: انعتاق معمم

الماركسية-الإشتراكية

  نتائج وتوقعات
  جريدة المناضل-ة : استئناف على أسس أمتن، وبعزيمة أقوى
  قبل 50 سنة فبراير 1956: تقرير خروتشوف "السري"

عالمي

  ملاحظات حول الوضع في الأرجنتين إثر انتفاضة ديسمبر 2001
  المنتدى الاجتماعي الأوربي: إعادة التفكير في المسائل الاستراتيجية أو ما العمل من اجل تغيير العالم ؟
  من أجل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين في كامبيش بالمكسيك
 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadil_new(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (002126)6.41.49.80.60

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها