ما إن وصلت الجموع التي إكتضت بها المحكمة الإبتدائية قبل سويعات قادما من طاطا حتى تعالت من جديد شعارات الكرامة معلنة بداية تشييد الحد الفاصل بين خط الجماهير وتكالبات الأحزاب الرجعية التي دمرت الحركة مند زهاء عقد من الزمن و شلت إلى حد ما كل التحركات الجماهيرية بزرع العنصرية و التفرقة على أساس اللون و القبيلة .
شكلت جماهير النساء و الشباب أغلبية الحاضرين في ذلك العرس النضالي الدي قدر عدد المشاركين فيه أكثر من 3000 فرد فصاح الجميع بهتاف واحد أمام أنظار أعدائهم من مخابرات عسكرية ومخبرينوكائنات إنتخابية وباشا و درك… باركا من النفاق الحصني عاق و فاق !
كان بحق يوما تاريخيا شاركت فيه و قبله بأيام جماهير النساء و الشباب و تمكنوا فيه بالنضال الجماهيري المستميت من منح الحرية للمعتقلين محقيقين بذلك نصف الإنتصار في أفق استكماله بتحرير أراضيهم من قبضة إدارة المياه و الغابات و كل المتربصين بها من مستثمرين محليين و أجانب . كما أتاح هذا الإنتصار تعرية كل المتواطئين مع هذه الجهات و تعزيز ثقتهم بالسبيل الوحيد الدي يقود ألى ذلك و هو النضال و التضامن .
أصل المشكل
باتت أراضي فم الحصن ( نقصد هنا أراضي الجموع التي تبلغ مساحتها 114000 هكتار) محط إهتمام بطون الرأسماليين الأجانب عن المنطقة و المحليين مند زهاء 4 سنوات على الأقل . فمنهم من تقدم بطلبات تحفيظ هكتارات بالغة أكبر من مساحة فم الحصن و دواويرها متراميا على أراضي السكان غير آبه حتى لمن تعود ملكية بعض منها له و لا لعرائض احتجاج السكان و ملتمساتهم للجهات المعنية . و منهم من قدم من فاس و الرباط و مدن مغربية أخرى تحدوه رغبة النهب و الإغتناء . هل سينشئ هؤلاء إستثمارات زراعية هنا و مشاريع فلاحية تشغل أبناء و كادحي المنطقة و تقيهم من البطالة و الجوع، و هل سيحولون كل هذه الهكتارات العارية بين يوم و ليلة إلى أراض و سهول خضراء ترسل النسيم بدل الزوابع الرملية في أيام الصيف الحارقة ؟ لا أبدا .لقد أسالت هذه الأراضي الشاسعة لعاب الرأسماليين لأنهم يغتنون منها و يراكمون عبرها ثرواتهم حارمين أفقر الفئات من حقهم في حماية كسيباتهم و مبعدينهم عن مصدر عيشهم الوحيد. و بالمقابل يقدمونها رهنا للبنوك بمبالغ كبيرة تصل إلى ملايير الدراهم ، أو يعوضونها بأراض أخرى في مدن معينة.
إنهم يقومون أولا بشراء قطع أرضية صغيرة، و بعد مرور مدد زمنية يتقدمون بطلبات التحفيظ بعد أن ضموا هكتارات شاسعة مستغلين سداجة و فقر و حاجة السكان أمام صمت و تواطؤ الدولة. هذه التي تواصل توفيرها لشروط حفز الرأسمال الخاص و تغنيمه مما ربحته من حربها ضد الشعب الكادح . و يجري اليوم تقديم طلبات تحفيظ جديدة - لم تعلن عنها السلطة المحلية إلا بعد مرور أجل التعرض عنها الذي يدوم شهرين عن إعلانه في الجريدة الرسمية، و هو ما يؤكد ما قلناه سالفا – بنفس الطريقة التي أوردناها تقدم بها كل من شركة ريكس للإستثمار الفلاحي و تخص أراضي بورية تقع بمسارح تكين وتبلغ مساحتها 207 هكتار و 33 آر40 س. و كذا بناني سميرس محمد بن عبد السلام ر ئيس فدرالية الفلاحة و الصناعات الغدائية التابعة للكنفدرالية العامة لمقاولات المغرب، و رئيس مجموعة دلاسوس و لها فروع بالعديد من المدن الكبرى كأكادير و مراكش و بني ملال والرباط و البيضاء و سيدي سليمان ، و مالك شركة لاكليمونتين الفلاحية و التي سبق للدولة أن قامت بسجن5 مناضلين زراعيين بها في 10 دجنبر 2004 بعدما طالبوا بالضمان الإجتماعي ، حرصا على سلامة هذا البطن الجشع الذي يواصل زحفه إلى فم الحصن قعر بئر المغرب غير النافع !! مساحتها 355 هكتار و 14 آر 50س.
أما إذا تعلق الأمر بجهات مرتبطة مباشرة بجهاز الدولة كإدارة المياه و الغابات فإنها تتقدم بداية بزي ألطف، إد تتدعي إنشاء محميات و غرس أشجار و محاربة التصحر و خلق فرص عمل بها حتى إذا تمكنت من إحتلالها بشكل كلي تقوم بتفويتها للخواص و هو ما سبق وقوعه بمنطقة إشت حيث فوتت إدارى المياه و الغابات أراض لم تكن تابعة " للملك الغابوي " في الأصل مند سنة 1984 .
مسيرة الإحتجاج .. ثلاث محطات بارزة
ففي سنة 2006: كانت محاولة كل من إدارة المياه و الغابات و إقطاعيين غرباء في الترامي على أراضي الساكنة، وأهمها بمنطقة سوق أمراد (منطقة شاسعة تحوي أشجار الطلح و هي مصدر عيش مجموعة من العائلات، ما يعني إستحالة تخلي هذه الأخيرة عنها) مبررا مقنعا للتحرك و شحد القوى ، فقد قامت التنسيقية المحلية لثلاميذ و طلبة و معطلي فم الحصن بمحاولة جمع ما يكفي من المعطيات ( سندات قانونية، وثائق إدارية من الجماعة السلالية، أسماء المتقدمين بطلبات التحفيظ...) فتم الإتصال بالمعنيين المباشرين بالمشكل من السكان كالكسابة و الرحل و الشيوخ لمباشرة التفاوض مع السلطات المحلية و التهيئ للإحتجاج. فخيضت لأول مرة في صيف 2006 معركة على هذه الأرضية ، غير أن النقص في المعطيات و إستهانة البعض بحجم الخطر المحدق بالأراضي و غياب سبب حاد لتأجيج النضال - كمباشرة الأعمال مثلا - كان عاملا في محدودية المعركة و عدم تطورها و لكنها في الأخير إنتزعت وعودا بعدم منح تلك الجهات ما يتطلبه التحفيظ من وثائق إدارية و رسوم عقارية موقعة بإسمها.
دجنبر 2008 : إقطاعي محلي كان يتربص بأراض عارية تقع ما بين دوار إمي أوكادير و مدشر تيغرت ( المسافة بينهما حوالي 7 كلم ) منذ عدة سنوات و قد حفر في بادئ الأمر بئرا فيها ليجعل الرأي العام يستبطن فكرة إمتلاكه لها و يجعله أمرا مألوفا و إعتياديا تسهيلا لعملية السلب . بعد ذلك جاء مباشرة مصحوبا بالمحافظة العقارية و هو ماجعل السكان يلتحقون بعين المكان لمنعه من ذلك وهو ما خلف إحتجاجات عارمة للساكنة أسفرت عن متابعة 05 أشخاص( 50 إلى 70 سنة ) أدين ثلاثة منهم بثلاثة أشهر سجنا نافدة و لازال ملفهم بإستئنافية أكادير . بعد بضعة أشهر من إفشال المحاولة الأولى أقدم من جديد على تكرارها مصحوبا بعناصر الدرك بهدف ترهيب السكان . غير أن الساكنة واصلت تنديدها بذلك عبر أشكال احتجاجية تمكنت من منع المحاولة . ليتم حبك ملف آخر في نفس القضية ومتابعة ثلاثة أشخاص من نفس العائلة . لا زال هذا الإقطاعي يواصل محاولات التحفيظ العقاري تلك، فقد تقدم بالطلب من جديد و سيلتحق بالمكان المعني في يوم 23 من الشهر القادم و هو ما من شأنه أن يثير إحتجاجات أخرى من الساكنة.
أكتوبر 2009 : شهدت منطقة تدعى أمكرض نيزنكاض (حوالي 18 كلم جنوب دوار إمي أوكادير) أعمال حفر تقوم بها مندوبية إدارة المياه والغابات تحضيرا لغرسها بأشجار الطلح وإلحاقها بالملك الغابوي .أثار هذا استياءا كبيرا لدى السكان، فاتجهوا في غياب أي توجيه لغضبهم إلى السلطات المحلية وباشروا معها مفاوضات عديدة دامت أسبوعا على الأقل، ليصطدموا مع جدار التسويف و التواطؤ وهو ما جعلهم يتهيأون للإلتحاق بعين المكان حيث وصل المقاول الذي فوضت له إدارة المياه والغابات المشروع إلى حوالي 1400 حفرة مشيدين معتصما في يوم 23 أكتوبر يحوي 8 خيام خصصت إثنثان منها لإيواء النساء.مكث المعتصمون هنالك أسبوعا كاملا لم يخلو من روح التضامن( محليا وإقليميا) و العمل الجماعي إذ شهد إلتحاقات جموع أخرى من الشباب و النساء و الأطفال و الكسابة الذين يزودونه بالمؤونة و بعض رؤوس الماعز. وفي صباح 26 من نفس الشهر أقدمت إدارة المياه و الغابات على مواصلة أعمال الحفر بمعية أحد أعضاء جمعية تدعي عقد شراكة مع الجهة المذكورة وممثلين عن السلطة، ليتخذ الأمر منحى آخر. وكان الرد سريعا بالتصدي لهم وهو ما أسفر عن إعتقال 08 أشخاص بتهم الضرب و الجرح وعرقلة أشغال عمومية وإهانة موظفين و إلحاق خسائر بملك الغير...وبعدما لم يثن القمع والترهيب المعتصمين عن مواصلة النضال، باشر باشا فم الحصن ومعه رئيس المجلس البلدي تفاوضا معهم أفضى إلى وعود تهم رحيل ممثل إدارة المياه و الغابات و إطلاق سراح المعتقلين في غضون الأيام المقبلة.
بعد مرور المهلة التي تضمنها الوعد، لم يكن هناك أي رد فعل جماهيري سريع نظرا لعدم تواجد ما يكفي من القوة الدينامية التي تعد محرك النضال بالمنطقة متمثلة في الأطراف الثلاث المكونة للتنسيقية المحلية للتلاميذ و الطلبة و المعطلين. فالمعطلون كانوا بالمعركة الوطنية في الرباط، والطلبة بالجامعات،أما التلاميذ فقد كانوا يتضامنون من داخل الثانوية. و بعد أسبوع من هذه الوضعية، التحق بالمنطقة مناضلون آخرون من الفئات المذكورة وألحق المعتقلون أيضا إلى السجن المحلي لطاطا، فانطلق الاحتجاج بوقفة في السوق الأسبوعي ركزت فيها التعبئة على النضال من أجل إطلاق سراح المعتقلين وإسقاط كافة المتابعات التي تطال السكان و على رأسهم المتابعون على خلفية المسيرة الأخيرة ضد الغلاء في 18 غشت.
بدأت فكرة الإحتجاج تتغلغل في نفوس الجماهير و سارت المعركة تتخذ ابعادا تصعيدية سهلت معها جميع أشكال التعبئة ( حلقات نقاش في الأحياء، وقفات تعبوية ومسيرات...) يلتحق بها المئات من السكان ذكورا وإناثا في عز تصعيد نضالات التلاميذ بثانوية السلام وإعداية باني .
و موازاة لمحاكمة المعتقلين، التحقت الجماهير الغاضبة بالإعتصام الذي أطره التلاميذ فيما إلتحقت جموع أخرى بطاطا لمؤازرتهم بعدما تم جمع الدعم المادي لهده المحطة. وبالنضال والتضامن الشعبي تم تحرير المعتقلين بعد 15 يوما من السجن، وضربت عرض الحائط كل تكالبات أحزاب الدولة التي سعى بعضها إلى إقبارها بل أثبت تواطؤه المكشوف مع الأعداء والبعض الآخر إلى استغلالها انتخابويا..واستقبل المعتقلون استقبال الأبطال في ليلة 08 نونبر.
دروس و ملاحضات
إن قرائتنا الملموسة و الميدانية لواقع النضال عموما بفم الحصن، و لمعركة الأراضي بشكل خاص، و قصد إستخلاص الدروس اللازمة، تقتضي منا ما يكفي من الموضوعية في التعامل مع هذه الدينامية بنواقصها و إيجابياتها :
• غياب دينامو النضال( ثلاميذ+طلبة+معطلين) في بداية المعركة مما جعل الجماهير تكاد تكون لقمة صائغة بين أيدي الكائنات الإنتخابوية سالفة الذكر و كراكيز تحركها لأجل حسم خلافاتها.
• الموقف السلبي للتنظيمات المحلية بالمنطقة، و قيامها بدور المتفرج باستثناء بعض منها إقليميا، حيث بادرت إلى تنظيم زيارة للمعتصمين و كذا بيان الفرع المحلي للجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب والتضامن الميداني لطلبة فم الحصن المنضوين تحت لواء لجنة طلاب و طالبات إقليم طاطا بجامعة إبن زهر باكادير .
غياب تغطية إعلامية كافية للمعركة النضالية ناتجة عن ضعف التوثيق و غياب إعلام ديمقراطي مستقل .
مواصلة الأحزاب البرجوازية لعبها دور الكابح لنضالات الجماهير، إذ سعت إلى التشويش على نضالات السكان عبر التعبئة المسمومة(نشر أكاديب تتعلق بتدخلات مركزية من أجل إطلاق سراح المعتقلين تارة، و الدعوة إلى مقاطعة أشكال النضال تارة أخرى فيما وقف بعضها إلى جانب إدارة المياه و الغابات ضد مصلحة السكان ) وهو ماسبق أن قامت به في طاطا و إيفني ...
غياب التحضيرو التقييم اللازمين عند بداية الأشكال النضالية ونهايتها .
إذا شكلت النساء القاعدة الأساسية لهذه النضالات فإن حضور الرجال و الشيوخ كان لافتا للملاحظة أيضا مقارنة مع النضالات السابقة في ملفات إجتماعية.
شكل فضح المناضلين للأحزاب التي خنقت الحركة الإحتجاجية بالمنطقة قاعدة توحدت عليها الساكنة في مواجهة الخطر المحدق بالأراضي .
شكل تحريرالمعتقلين إنتصارا عزز ثقة الجماهير في النضال و المناضلين تقوت معها روافد نضال الحركة الثلاميذية التي لازالت تواصل معاركها البطولية من أجل تحسين ظروف تعليمها بكل من ثانوية السلام و إعدادية باني.
ناصر ومراد