1- الأزمة في اللحظة الراهنة
ظل الوضع العالمي مطبوعا بالأزمة الشاملة متعددة الأبعاد –اقتصادية، واجتماعية، و غذائية، وبيئية – التي تهز العالم الرأسمالي. وبعكس الخطابات حول "نهاية الانكماش" أو "الخروج من الأزمة"، يظل واقع الاقتصاد العالمي محددا بالتناقضات الكبرى المفضية إلى"الغطس" في الأزمة، والى بطالة كثيفة، وارتفاع كبير للفقر (يعيش أكثر من مليار إنسان تحت خط الفقر) ومخاطر كوارث بيئية متعاظمة.
1.1 . هل ثمة "خروج من الأزمة"؟
من زاوية نظر تحليلية، تنطوي التطورات الظرفية للأزمة المستديمة التي تشهدها الرأسمالية المعولمة على أوجه تشكك عديدة. طبعا تباطأت سرعة الأزمة العالمية، فبعد أن شهدت انحسارا عاما ( معدلات نمو سلبية بلغت ــ 3 % إلى ــ 4% بالولايات المتحدة الأمريكية و أوربا و ــ 1% إلى -1.5 % على صعيد عالمي)، تشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى "انتعاش طفيف" مع نسبة نمو تبلغ 3%. تدل هذه المعطيات بوجه خاص على صعود جديد لآسيا النامية (+7% مع أن الأمر مقترن بجملة تناقضات)، وهو صعود جديد مناقض للنمو "الرخو" بالولايات المتحدة بنسبة 1.5 %، ولنمو بالغ الضعف بمنطقة اليورو بنسبة 0,3%. هذه"الانتعاشات الصغيرة"، بأمريكا الشمالية و بأوربا على السواء، تمثل بالأحرى تباطؤا للأزمة. إنها في المقام الأول نتيجة تدخل كثيف للدول التي عومت النظام البنكي الدولي( متيحة بذلك استئناف تضخم فقاعة المضاربة) ومفاعيل ما يسمى"المثبتات الاجتماعية"، أي كل الأدوات العمومية للمساعدة والحماية الاجتماعية، لا سيما بأوربا الغربية. كما يتعلق بالوسائل التي تمد بمساعدات لشراء هذا المنتوج أو ذاك مثل السيارات.
إن تدخل الدول الكثيف هذا، المنسق جزئيا، يفسر سبب، وكيفية، احتواء الأزمة لحد الساعة. إنه الفرق الكبير بين الأزمة الحالية و أزمة سنوات 1930.
2.1 الأزمة مستمرة
لكن عندما تنتهي مفاعيل أدوات الدعم المالي العمومي العالمي لاثني عشر أشهر الأخيرة، سيواجه الاقتصاد العالمي من جديد جملة مشاكل ظرفية وهيكلية.
على مستوى ظرفي، تواجه الدول والحكومات انفجار الدين العمومي، ولا زالت البنوك تجهل نطاق "المنتجات السامة" في حساباتها، ولها مشاكل أموال خاصة بها. هكذا ما يزال ثمة من الأصول السامة أكثر مما جرى خفضه. وقد يؤدي اقتران دورة مضاربة جديدة واكتشاف أصول سامة جديدة إلى صدمة جديدة بالبورصة، تنعكس بدورها على مجموع الدائرة الاقتصادية. وأخيرا ستضغط البطالة والهشاشة، مع كامل عواقبهما الاجتماعية المدمرة، على ميزان القوى الاجتماعي.
على صعيد هيكلي، يظل الوضع مطبوعا بالمفارقات: يتميز بأزمة إيديولوجية للنظام النيوليبرالي، وباستمرار الخطوط العريضة للسياسات الرأسمالية وإعادة إنتاج التناقضات ذاتها. ويقود عمق الأزمة الطبقات السائدة إلى شن هجمة جديدة على شروط حياة، وعمل، ملايين العمال.
3.1 تعمق تناقضات نمط التراكم النيوليبرالي
في متم سنوات 1970 قام نظام تراكم رأسمالي بقصد إعادة إرساء معدل ربح كان انخفض في سنوات 1960-1970. فعلى قاعدة جملة هزائم عمالية، جرى تقليص حصة الأجور في القيمة المضافة، و تشديد شروط الاستغلال و رفع معدلاته، وتعميم عمليات خصخصة الخدمات العامة، وفرض نزع تقنين العلاقات الاجتماعية، وخفض الميزانيات الاجتماعية، وتطبيق برامج التقويم الهيكلي بالبلدان النامية. يندرج ذلك كله في عولمة السوق، وفي تشكل سوق دولية لقوة العمل، مطبوعة بميل إلى الوحدة، حيث يوضع العمال في تنافس.
ارتفعت الأرباح من جديد، لكن الاستثمار المنتج لم يرتفع كما دلت كل الإحصاءات. ولذلك اتجهت تلك الأرباح إلى منتجات أكثر مردودا، أي المنتجات المالية. وهذه الحركة هي التي أدت أيضا إلى تفكيك الصناعة بقطاعات ومناطق كاملة بأمريكا الشمالية و أوربا و/أو ترحيلها، لا سيما بآسيا، والصين أساسا، هذه التي أضحت"معمل العالم". تشكلت إذن سيرورة معممة من "تمييل" financiarisation الاقتصاد العالمي، جاءت لتضخيم "الرأسمال الوهمي"[*] القائم أصلا. وأتاحت هذه الآليات، في الآن ذاته، إرساء جملة كاملة من آليات الاستدانة العامة والخاصة في قلب الاقتصاد العالمي، بالولايات المتحدة الأمريكية و بأوربا.
و قامت سياسة الاستدانة العامة والخاصة، طيلة فترة، بتعويض تلك التوترات، حتى تفجر الأزمة. و اتاحت استدانة الأسر الحفاظ على مستوى الاستهلاك... رغم انخفاض الأجور. و بفضل الاستدانة، تمكنت البلدان الرأسمالية المتقدمة، و بالمقام الأول الولايات المتحدة الأمريكية، من العيش بالقروض...رغم تقلص قاعدتها الصناعية. لقد قامت الديون بتأجيل الأزمة المعممة إلى 2007-2008.
هذه الآليات هي التي انهارت، مع سقوط كثيف لقيمة الأصول أو أقسام منتجة- إفلاس وإعادة هيكلة البنوك، تسريحات، إغلاق مقاولات.
إن كامل تطور الأزمة وآلياتها يؤكد مرة أخرى أن الأمر ليس مجرد أزمة مالية و بنكية. إنها أزمة شاملة للنظام الرأسمالي ناتجة عن أزمة كل الآليات المستعملة لاستعادة معدل أرباح متم سنوات 1970 ومطلع سنوات 1980.
4.1 هجمة رأسمال جديدة:" كالسابق تماما، أو يكاد وربما أسوأ"
في فترة الأزمة يحتد الصراع بين الرأسمال والعمل. يتوجب على الطبقات السائدة احتواء الأزمة مع الحفاظ على مواقع الرأسمال، و بخاصة الرأسمال المالي. لم يعد بوسع النظام أن يشتغل كالسابق لكن الدفاع عن المصالح الرأسمالية يدفع الحكومات إلى مواصلة السياسات ذاتها وتعميقها.
طبعا جرى اتخاذ مبادرات عبر تصريحات مجموعة العشرين ـ G20 ـ بقصد "التحكم" في الفراديس الضريبية، و"تأطير" اشتغال النظام البنكي، و"زيادة" أموال صندوق النقد الدولي الرامية إلى تعويم الافلاسات الاقتصادية لبعض البلدان.
لا بل أدت الأزمة إلى أزمة شرعية للنظام نتجت عنها، هنا وهناك، تصريحات أو إيماءات حول ضرورة "تخليق الرأسمالية". لكن ثمة هوة بين الكلام والانفعال.
استفادت البنوك من الأزمة ومن المساعدات العمومية لتضخيم أرباحها على حساب إنتاج القروض الذي كانت هدف المساعدات العمومية. لا بل أكثر من ذلك، إذ اتجه المستثمرون إلى الأصول من نفس النوع (منتجات مالية، مواد أولية، عملات صعبة مرتبطة بالمواد الأولية)، حافزين بذلك دوامة مضاربة جديدة.
في الواقع، يسعى الرأسماليون، في وضع الأزمة هذا، إلى سبل هجمة جديدة على الحقوق الاجتماعية والديمقراطية من أجل رفع معدل استغلال العمل وحماية قطاعات الأرباح الريعية. وتؤكد توجهات حكومات البلدان الرأسمالية المتقدمة خيارات من أجل تحميل العمال والشعوب كلفة الأزمة:
سيُدفع ثمن تفجر الديون برفع للضرائب وخفض العجز العمومي. وفي الحالتين ستكون الطبقات الشعبية هي الضحية.
تؤدي عمليات إعادة هيكلة المقاولات الكبرى إلى دفع ملايين العمال إلى البطالة، و إلى رفع للهشاشة، و تعزيز كل أنظمة المرونة. والنساء عرضة بوجه خاص لعواقب الأزمة، فحسب منظمة العمل الدولية سيفقد 22 مليون امرأة فرص عملهن في العام 2009. وهن أول متضرر من التسريحات الكثيفة في قطاع الخدمات، والصحة، والألبسة. وفي مجال مغادرة المدرسة، وفقد فرص العمل، والإفقار، تمثل النساء الضحية الأولى للانكماش الاقتصادي العالمي. و يجرى استعمال الأزمة لخفض التكاليف، وزيادة مكاسب الإنتاجية، وإعادة تحديد عمليات الإنتاج، وإعادة تشكيل الأسواق. و من بين 206 شركة أوربية مسجلة بالبورصة، وضعت 126 منها 146 خطة تسريح بين شهري يناير 2007 و مارس 2009. وتبلغ التوقعات بالنسبة لبلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصاديين زهاء 25 مليون عاطل في 2009 و 2010.
يظل الضغط على الأجور بالغ القوة. اتخذت "خطط الإنعاش" بوجه خاص شكل مساعدات للبنوك وللاستثمار، أي للمقاولات، لكن ليس زيادات في الأجور. أضف إلى ذلك أن ثمة، في بعض القطاعات أو البلدان، سياسة مدبرة لخفضها، مثلما الأمر في الوظيفة العمومية ببلدان البلطيق، ورومانيا و أيسلندة.
عمليات الخصخصة مؤكدة، ما خلا بعض الحالات الاستثنائية، مثل نظام الحماية الاجتماعية بالأرجنتين وخدمة البريد باليابان.
بعد أكثر من سنة عن بداية الأزمة، تحسم هذه التوجهات نقاشا حول فرضيات إنعاش الاقتصاد بواسطة سياسات كينزية، أي سياسات إنعاش الطلب بزيادات في الأجور، وإنماء الخدمات العامة والحماية الاجتماعية. فمراقبة البنوك الانجليزية بعيد عن عملية التأميم لما بعد 1945. كان ثمة تدخل للدولة – "تدخل دولة ليبرالي" من أجل الحفاظ على المصالح الرأسمالية بوجه الأزمة، لكن ليس ثمة سياسة إجمالية كينزية جديدة، فهذه ليست في الشروط الراهنة لميزان القوى الطبقي ضمن خيارات الطبقات السائدة.
إن هدف إعادة إرساء معدلات الربح بعد الأزمة، في ظل ميزان القوى الاجتماعي والسياسي لعام 2009، يدفع قادة الصناعة وقمم المالية إلى زيادة الضغط على العمال، و إلى إخضاع كامل الإنتاج وكامل تنظيم الاقتصاد للسعي إلى مزيد من الأرباح دوما. لن يؤدي السعي الدائم إلى مزيد من المردود للرأسمال سوى إلى الضغط على الأجور، وانفجار الهشاشة، وتفكيك الخدمات العامة، و تحويل الاقتصاد إلى سلعة وتمييله financiarisation. هذا المنطق مناقض لإرضاء الحاجات الاجتماعية. وهذا التناقض هو أساس معاداتنا للرأسمالية. لا يتطلب رفض هذا المنطق معركة من أجل إعادة توزيع الثروات لصالح الطبقات الشعبية وحسب، بل يقتضي أيضا إعادة النظر في الملكية الرأسمالية لاستبدال منطق الربح بمنطق الحاجات الاجتماعية.
5.1 الجواب الرأسمالي على الأزمة البيئية
في هذا الإطار، يتعين أيضا تناول الأزمة البيئية. إن تضافر الأزمة الاقتصادية و الأزمة البيئية هو بوجه خاص ما يضفي على الأزمة الراهنة بعد" أزمة حضارة". كما تضفي المشاكل المرتبطة بتبدل المناخ حدة خاصة على الأزمة البيئية. تلتقي كل ملاحظات العلماء عند النقطة ذاتها: من الملح بيئيا خفض غازات الدفيئة بنسبة 50% إلى 80% في أفق العام 2050 كي لا يجاوز عتبة " الخطورة" المحددة في ارتفاع للحرارة بدرجة ونصف درجة في القرن. إن نسب 20% الثلاثة للاتحاد الأوربي في أفق العام 2020 (- 20% من ثنائي غاز الكربون، و20% من الفعالية الطاقية، و +20% من الطاقات المتجددة) تظل دون المستلزمات التي حددتها مجموعة الخبراء الحكوميين حول تطور المناخ (GIEC).
* ما بعد ذلك، تتخذ مشاريع "الرأسمالية الخضراء" بعدا مزدوجا: أولا تحميل الفاتورة البيئية – أو أشكال العجز العمومي تحت غطاء "الرسوم البيئية"- للطبقات الشعبية بواسطة نظام رسوم يلتف حول مسؤوليات المقاولات الكبيرة، ومن جانب آخر تشكيل أسواق جديدة، لا سيما أسواق حقوق التلويث. وعلى نحو جوهري، أكثر لا يمكن أن يندرج حل الأزمة البيئية في إطار رأسمالي. لا يمكن أن يؤدي السعي إلى الربح سوى إلى تنافس الرساميل. ومن ثمة يصطدم أي فعل منسق على المدى المتوسط والبعيد بمنطق السوق. و لا تستدعي الفعالية الطاقية خفضا لاستهلاك الطاقة و إعادة تحويل لجملة صناعات، واستبدال محروقات طاقية أحفورية بأخرى متجددة وحسب، بل أيضا إعادة تنظيم إجمالية لأنظمة الإنتاج، إعادة تنظيم غير ممكنة دون تنسيق وتخطيط، أي في نظام ملكية عامة واجتماعية وليس في إطار الملكية الخاصة لقطاعات الاقتصاد الرئيسة.
سيؤدي تضافر الأزمتين، الاقتصادية والبيئية، إلى تفاقم الأزمة الغذائية التي تعصف بالكوكب، و بخاصة بأفريقيا. ثمة اليوم 3 مليار إنسان لا يأكلون حتى الشبع، و 2 مليار يعانون من سوء التغذية ومليار من الجوع. إن تدمير الزراعات المعاشية، وشراء مئات آلاف الهكتارات بأفريقيا وأمريكا اللاتينية من قبل دول مثل الصين، والمملكة السعودية، وكوريا الجنوبية، عوامل تزيد صعوبة الإنتاج الغذائي وتفاقم شروط حياة ملايين الفلاحين والبشر الذين يمثل 75 % منهم فلاحين أو عمال زراعة يحال بينهم و بين العمل. وبعيدا عن حل هذه المشاكل الحيوية، وتجاوز الاختلالات الراهنة، تقوم الأزمة الغذائية بتعميقها.
إن تحليل هذه الأزمة بصفتها مستديمة لا يعني السقوط في النزعة الكارثية. يجب دوما تذكر أن ليس ثمة وضع بلا مخرج بالنسبة للرأسمالية طالما لا توجد قوى اجتماعية وسياسية لها من القوة ما يكفي لتغيير النظام. إن بوسع الرأسمالية أن تواصل الاشتغال لكن مع كلفة اقتصادية و اجتماعية وبيئية و إنسانية غير محتملة أكثر فأكثر. إن فهم هذه الأزمة بما هي "أزمة حضارة" أخذ بالحسبان لوضع نظام تاريخي منهوك.
2. تنظيم جديد للعالم؟
تندرج هذه الأزمة في لحظة تأرجح العالم. فقد أكدت ووضحت ميزان القوى الجديد بين الطبقات والدول على صعيد عالمي. وتتكاثر على صعيد دولي المبادرات لإعادة تنظيم "عالم الأزمة".
1.2. انحدار الهيمنة الأمريكية: واقع وحدود ؟
تتمثل المبادرة الكبرى في إعادة انتشار القوة الأمريكية بعد فوز أوباما. لا بل إنها أحد أسباب ووظائف انتخاب أوباما: استعادة المبادرة في السياسة الدولية، مع أن ذلك مرفق بتناقضات، مرتبطة أساسا بالأزمة الاقتصادية ( ملف الصحة، عمليات إعادة الهيكلة الصناعية). يؤدي هذا إلى إعادة الأمور إلى نصابها بشأن "الانحدار الحتمي" للهيمنة الأمريكية. لقد أضعفت الأزمة مكانة أمريكا الشمالية. والواقع أن تلك المكانة تراجعت قبل الأزمة، نتيجة تراجع القاعدة الصناعية للولايات المتحدة الأمريكية واستدانتها. لكن الولايات المتحدة الأمريكية تواصل الحفاظ على مكانة مسيطرة في العلاقات العالمية:
أ- تحافظ الولايات المتحدة الأمريكية،على الصعيد السياسي-العسكري، على هيمنة كاملة رغم توحل القوات الغربية في أفغانستان وفي العراق. وبات حلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية يشكل، على نحو غير مسبوق، الذراع المسلح للقوات الغربية بقصد السيطرة عل العالم. و استطاعت الإدارة الأمريكية، بعد فشل سعيها إلى تشكيل منطقة تبادل حر [الألكا]، استعادة المبادرة في أمريكا اللاتينية، مع قمة ترينيداد (سياسة انفتاح بقصد إنعاش الأسواق الأمريكية بالقارة) لكن أيضا مع الانقلاب بهندوراس وإعادة نشر القواعد العسكرية بكولومبيا، التي تدل على سعيها إلى الهيمنة السياسية العسكرية على القارة الأمريكية.
ب- على الصعيد الاقتصادي، يتيح حجم السوق الأمريكية مواصلة الاستحواذ على حصة هامة من النتاج الداخلي الإجمالي العالمي (زهاء 25 %)، رغم أنها في انخفاض منتظم منذ سنوات عديدة.
ج- على الصعيد المالي والنقدي، لا يزال الدولار العملة الدولية السائدة. يضعف الدولار ويتعرض بشدة متزايدة للمنافسة من قبل عملات أخرى ذات نزوع عالمي، ومن قبل الذهب بما هو " قيمة ملاذ"، لكنه يظل المرجع النقدي الدولي. توجد الإدارة الأمريكية إزاء تناقض: إما أن تحافظ على الدولار في مستوى مرتفع، وهذا ما يطلبه بوجه خاص المالكون الصينيون للسندات وسندات الخزينة بالدولار وتتضرر منه الصادرات الأمريكية، أو أن تنظم خفضا تنافسيا لقيمة الدولار بقصد زيادة تنافسية الصناعة الأمريكية؛ وآنذاك ينخفض الدولار وعدد من الأصول المقومة بالدولار. لكن تجدر الإشارة إلى أن الدولار يحافظ على مكانته رغم تراجع المكانة الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية.
2.2. دور الصين والبلدان البازغة الرئيسة
تحتفظ الولايات المتحدة الأمريكية على مكانة مسيطرة، لكن يجب التأكيد أيضا على الصعود القوي لاقتصاديات البرازيل، وروسيا، والهند والصين، وبخاصة هذه الأخيرة. تواصل حصة الصين في النتاج الداخلي الإجمالي العالمي الارتفاع. و تتراوح معدلات نموها بين 6 %، حين يشهد باقي العالم انكماشا، و 10% حين يشهد الاقتصاد العالمي أطوار توسع. لم تحل الصين مكان الولايات المتحدة الأمريكية. و لم تصمد أطروحة "فك الاقتران" بين صين متوسعة اقتصاديا باستمرار ومراكز امبريالية في أزمة.
لقد تعرضت الصين لعواقب الأزمة لكنها لم تنهر. و سيتوقف دور الصين في العالم على قدرتها على بناء سوق داخلية، وبناء نظام حماية اجتماعية، وعلى حفز الطلب برفع الأجور. إذا لم تستوف هذه الشروط، ستصبح الدينامية الصينية متباطئة. إن الأواليات البيروقراطية، والفساد الراكض، وفرط استغلال العمال المهاجرين، عوامل تضغط على نحو سلبي على الطلب الداخلي. وعلى الصعيد العالمي، ترتبط الولايات المتحدة والصين (مثل شركاء أمريكيين آخرين) بعلاقة تعاون وتنافس، لكن التعاون غالب في هذا الطور.
في هذا الإطار متعدد الأقطاب، يتعين أيضا تناول العلاقات مع البرازيل التي أصبحت قوة امبريالية جديدة. مند سنوات 1960، كان ُيستعمل مفهوم "امبريالية فرعية" لتوصيف البرازيل، و كان المقصود أنها امبريالية لكنها قوة ثانوية وخاضعة للامبريالية الأمريكية. إنها فعلا في مرتبة ثانية قياسا بقوة الامبريالية الأمريكية، لكن غير خاضعة. حيث أن قوة البرازيل الاقتصادية، والمالية، والاجتماعية ، والترابية، والطاقية، والعسكرية،تجعلها عمليا شريكا لكن منافسا وخصما أيضا للامبريالية الأمريكية، بخاصة في أمريكا اللاتينية. ستعوض الولايات المتحدة الأمريكية، في علاقة التنافس/الشراكة هذه، أوجه ضعفها في التنافس العالمي باستعمال هيمنتها السياسية العسكرية.
3.2. أفغانستان والعراق وفلسطين: مراكز التوترات العسكرية في العالم
تظل الرهانات في هذه البلدان متمثلة في مسائل إستراتيجية من الطراز الأول بالنسبة للإدارة الأمريكية. فهناك تجري الزعامة العسكرية الأمريكية في العالم. تكفي هزيمة واحدة في هذه القطاعات لينقلب مجمل ميزان القوى العالمي. هذا ما يفسر اصطفاف كل القوى الغربية في نهاية المطاف إلى جانب الامبريالية الأمريكية رغم التناقضات بين الامبرياليات أثناء حرب العراق. وكانت آخر مبادرة في هذا الاتجاه إعادة دمج فرنسا في قيادة حلف شمال الأطلسي. وقد أوضحت قمة ستراسبورغ، المكملة لقمة مجموعة العشرين G20، عند انعقادها في ابريل 2009، هذا التطور. و تسعى الولايات المتحدة الأمريكية، في الآن ذاته، إلى تحييد روسيا والصين، بالتخلي عن مشاريع نشر الصواريخ في أوربا الشرقية.
وتوضح السياسة بتلك المنطقة على نحو كاف السياسة الأمريكية الجديدة منذ انتخاب أوباما. فمن جهة ثمة مبادرات، وخطابات، و مواقف " انفتاح". وُيشار هنا وهناك إلى إسهام الحضارة العربية في العالم، و ُيصرح "بالرغبة في الحوار" مع إيران، و ُيضغط على الحكومة الإسرائيلية بقصد إبطاء بناء المستوطنات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية، لكن في الواقع، يتصاعد تهديد إيران، ويطول أمد انسحاب القوات الأمريكية من العراق، ويتضاعف الجهد الحربي في أفغانستان، وتطلق يد حكومة نتانياهو في إسرائيل.
إن أسباب التدخل الأمريكي متعددة، منها التحكم بالموارد الطبيعية (البترول في المقام الأول)، و الوجود الجيو-استراتيجي في منطقة متاخمة لروسيا والهند والصين... لكن رهان النزاعات في هذه المنطقة هو الحفاظ على قدرة الامبريالية الأمريكية على تأكيد هيمنتها العسكرية. لذا تمثل المطالبة بسحب القوات من العراق ومن أفغانستان مطلبا أوليا لاحترام حقوق الشعوب ولإضعاف استراتيجي للقوى الامبريالية، وفي هذا الاتجاه أيضا ندافع أكثر من قبل، بخاصة بعد أحداث غزة، عن حقوق الشعب الفلسطيني – الوقف الفوري لسياسة المستوطنات، وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة منذ 1967، وحق عودة الفلسطينيين ومنظورا يجمع "تفكيك الدولة الصهيونية وحلا سياسيا يضمن العيش معا في ظل مساواة تامة في الحقوق لكافة شعوب فلسطين ( الشعب الفلسطيني و الشعب اليهودي الإسرائيلي") [ توصية اللجنة العالمية للأممية الرابعة في فبراير 2009].
إننا ننخرط، من وجهة النظر هذه، في حملة التضامن الدولي ("المقاطعة، إلغاء الاستثمار،العقوبات") وتضامنا مع الشعب الفلسطيني. و أخيرا، يجب ألا يؤدي رفض التهديدات الامبريالية لإيران إلى مساندة نظام أحمدي نجاد، بل بالعكس إلى التضامن النشيط مع تعبئات ملايين الإيرانيين من أجل الديمقراطية وضد ديكتاتورية النظام. و تظل بوصلتنا،هنا أيضا كما الأمر في كل نزاع، هي الدفاع عن مصالح و نضالات المضطهدين والدفاع عن حقوقهم الاجتماعية والديمقراطية.
4.2. طور جديد من المواجهة في أمريكا اللاتينية
تظل هذه القارة قارة المقاومات الاجتماعية الأكثر تقدما ضد السياسات النيوليبرالية و ضد هجمات الامبريالية. فعلى نحو متواتر، تشهد القارة انفجارات ونضالات اجتماعية، كما أوضحت الأزمة بهندوراس لما شهد البلد، رغم القمع العسكري، تطور حركة شعبية واسعة معارضة للانقلابيين غير مسبوقة منذ خمسين سنة. إن النضالات متعددة، و المقاومات الاجتماعية والسياسية جارية، سواء بالإضرابات العمالية في فنزويلا والأرجنتين و بوليفيا، أو عبر حركات جماهيرية مناهضة للامبريالية بالإكوادور وفنزويلا أو كذلك بحركة السكان الأهليين في بلدان الانديز أو أمريكا الوسطى. يجب بنحو خاص التأكيد على الدينامية الجديدة لمسألة السكان الأصليين. إذ يتحرك مئات وآلاف الهنود دفاعا عن أراضيهم، ومواردهم الطبيعية، ونمط حياتهم بوجه هجمات الشركات متعددة الجنسية والدول النهابة. وفي الآن ذاته، يمكن أن يشكلوا، بالتركيز على نوع من التوازن بين البشر والطبيعة، مرجعا للنضال حول الدفاع عن "الملك المشترك" و "الحياة على نحو أفضل". لكن الطبقات السائدة لا تظل جامدة بوجه هذه الأحداث، حيث تتحرك سواء بمجابهة الحركات الاجتماعية، في حالة المكسيك وهندوراس وكولومبيا والبيرو وبوليفيا و فنزويلا، أو بالاحتواء، كما الأمر أولا في البرازيل مع حزب الشغيلة، ثم الأرجنتين ( مع أن ذلك يجري على نحو نزاعي) مع البيرونية، وأروغواي مع فرانتي أمبليو، ويسار باشليه في الشيلي، واليسار في السلفادور...
يفضي هذا إلى 3 أنماط من الحكومات والأوضاع:
حكومات اليمين واليمين المتطرف بالمكسيك وهندوراس وكولومبيا و البيرو، وبجانبها معارضات شرسة من قطاعات من البرجوازية في بوليفيا وفنزويلا والإكوادور، حيث لم تتخل هذه الأخيرة عن منظور إطاحة تشافيز وايفو موراليس. توجد هذه القطاعات حاليا في وضع هجوم مدعومة من القيادات السياسية العسكرية للامبريالية الأمريكية. ويمثل الانقلاب في هندوراس، وبخاصة إنشاء قواعد أمريكية جديدة في كولومبيا، دليلا على ذلك.
يتجلى النمط الثاني من الحكومات، مع كل تنويعاته، في البرازيل، والأرجنتين ونيكاراغوا وأورغواي و باراغواي والشيلي. إنها حكومات اشتراكية ليبرالية تحترم المعايير العامة للسياسات النيوليبرالية، وتندرج في علاقة تعاون مع الجار الكبير الأمريكي، ولو كان ذلك يجري بشكل نزاعي كما في حالة برازيل لولا. تهيمن البرازيل في هذه الكتلة بحكم حجمها ومواردها الطبيعية وقوة اقتصادها. تجب الإشارة إلى أن التجارب الاجتماعية الليبرالية في العالم تنتهي بوجه عام نهاية سيئة بالنسبة للأحزاب الاشتراكية الليبرالية التي تشهد تقلصا لقاعدتها الاجتماعية، بيد أن الأمر ليس كذلك في حالة البرازيل حيث تمكن لولا عبر سياسة "المنحة العائلية"(" Bolsa familia ") من تطوير "نظام إعانة" أمن له شعبية حقيقية.
النمط الثالث من الحكومات، المدعوم من كوبا، هو حكومات فنزويلا وبوليفيا والإكوادور. لكن يجب تمييز دينامية القوى والأحداث في كل بلد على حدة. نهجت تلك الحكومات سياسات قطع جزئي مع الامبريالية الأمريكية، وإعادة توزيع للدخل لصالح برامج اجتماعية ولصالح أفقر الفئات الاجتماعية، و دعم للحركات الاجتماعية. إننا نقف بجانبها ضد الامبريالية الأمريكية. ونستند على كل النقاشات المنبثقة من تلك التجارب حول مفهوم اشتراكية القرن 21 من أجل الدفاع عن مواقفنا. لكن يجب بهذا الصدد توضيح خصوصيات كل تجربة. إن كان تشافيز وموراليس يستندان على الحركات الجماهيرية، مع ضغط أشد للحركات الاجتماعية في بوليفيا وعلاقات " بونابارتية" أكثر في فنزويلا، فقد أبانت الأحداث الأخيرة تعارضا بين حركة السكان الأهليين (منظمة CONAIE) بالإكوادور وحكومة كوريا. و تمثل العلاقات بين هذه الحكومات والحركة الجماهيرية امتحانا كبيرا لمستقبل تلك التجارب. لكن ثمة في الخلفية مسألة رئيسية متمثلة في درجة القطع مع الرأسمالية، ومنطقها القائم على الربح، وعلاقاتها بالمالية، ونظام ملكيتها، لا سيما أن الأزمة صدمت كل أسس اقتصاد تلك البلدان. لحد الساعة لم تقم تلك البلدان، من زاوية النظر هذه، بانتهاز فرصة الأزمة للتقدم جوهريا في قطع مع الرأسمالية و "نموذجها الانتاجوي الاستخراجي"
5.2. أوربا في أزمة عميقة
تشهد أوربا، بوجه الوثبة الأمريكية وصعود بلدان البرازيل روسيا الهند الصين، تدهورا لمواقعها بالعالم. فقد ضربت الأزمة على نحو مباشر اقتصاديات القارة الشائخة، بل ثمة عوامل خاصة بها أدت إلى تفاقم الأزمة.
أدى نمط البناء السياسي للاتحاد الأوربي، مع الديناميات المتباعدة لاقتصادياتها الرئيسة – المالية الانجليزية، العجز التجاري الفرنسي، والصادرات الصناعية الألمانية- إلى الرد على الأزمة على نحو جزئي، و متشظ، وبلا سياسات تنسيق حقيقية. وقد شجعت الاتفاقات الأوربية، التي ركزت منذ سنوات على "التنافس الحر وغير المزيف"، سيرورات التمييل financiarisation على حساب السياسات الصناعية. ونتيجة ذلك تعرضت أوربا لسيرورات تفكيك الصناعة، لا سيما بفرنسا. البطالة منفجرة. وفي الآن ذاته تتزايد أشكال العجز وديون البلدان الأوربية على نحو خطير.
وشرقا، لا تجد اقتصاديات بعض البلدان شديدة التبعية للنظام البنكي الدولي حلا سوى بالمساعدات الدولية بحقن متواصل من صندوق النقد الدولي. و بجلاء تبرز السياسات المطبقة- في المجر وبلدان البلطيق ورومانيا التي تبلغ مستوى تنظيم خفض أجور الموظفين- عمق الأزمة في تلك البلدان، وفي محيطها أيضا.
هذا ما سيؤدي إلى احتداد التناقضات الداخلية بأوربا. قد تظهر، هنا وهناك، ميول حمائية، لكن ذلك ليس خيار الطبقات الرأسمالية الأوربية الأساسي. لقد اختارت تلك الطبقات العولمة، لكنها غير مندمجة في هذه السيرورة بشكل مشترك بصفتها "رأسمالية أوربية". بالعكس إن مصالح متشابكة بين هذا الاقتصاد الوطني أو ذاك و هذه الشركة متعددة الجنسية او تلك هي التي تحدد توجهاتها العامة. على هذا النحو يمكن أن يقترن التنافس العالمي بتنافس داخل أوربا.
أخيرا، يقترن الهجوم الاقتصادي، في وضع الأزمة المستديمة هذا، بهجوم سياسي من القوى اليمينية. وتؤكد النتائج الأخيرة للانتخابات الأوربية هذا الميل، باستثناء اليونان والسويد. كما تميل القوى الفاشية ونصف الفاشية إلى زيادة ضغطها على الأوضاع السياسية الوطنية.
و في هذه الحركة تتأكد أيضا حلول متسلطة مستندة بوجه خاص على السياسات المعادية للمهاجرين و المهاجرين بلا أوراق ثبوتية. تؤدي العولمة وتكاثر المبادلات، وإفقار قوى الشمال لبلدان الجنوب، والكوارث البيئية أو الغذائية إلى تنقيل كثيف للسكان وبخاصة من البلدان الفقيرة نحو البلدان الغنية. وتفاقم الأزمة كل ظواهر استغلال المهاجرين واضطهادهم. لا بل تجعل منهم الحركات العنصرية أكباش فداء. ويجب أن يدفع هذا الحركة العمالية إلى الرد بسياسة دفاع عن حقوق المهاجرين.
وبوجه عام، تنشا سياسات تجريم حقيقية للنضالات وللحركات الاجتماعية أو أنظمة قمعية باسم "محاربة الإرهاب"، مع بطاقات معلومات بوليسية، وأنظمة تنصت، وقوائم، وهذا بلا أدنى احترام للحقوق الديمقراطية.
و قد تؤدي هذه التوترات كلها، بعيدا حتى عن دورات النضال الاجتماعي، إلى تفجر أزمات سياسية أو مؤسسية.
إن مشروع "الدستور الأوربي"، المستعاد في معاهدة لشبونة، يرمي في هذا الإطار إلى تمكين جهاز الاتحاد الأوربي من الاضطلاع جزئيا بدور استبدادي معزز (رئاسة أقوى، تمثيل دولي وحيد...)، يفرض بشكل مركزي وبلا رقابة ديمقراطية(حتى شكلية)، سياسة أوربية على الصعيد الدولي. وتحافظ الدول الأعضاء في هذا الإطار على مؤسساتها الديمقراطية الصورية، المفرغة أكثر فأكثر من المعنى بوجه القرارات الأوربية التي "تؤطر" السياسة الوطنية، حسب مساومات بين القوى الامبريالية الأوربية الرئيسية. إن ما يجري بناؤه هو اتحاد أوربي غير متكافئ ("البلدان الكبرى" و "الصغرى" الخاضعة) حيث السكان محرومون من كل تدخل برلماني، حتى الصوري، وهذا ما دلت عليه مرة أخرى نتيجة الاستفتاء الايرلندي الثاني. وأخيرا يجب على اليسار المعادي للرأسمالية أن يدافع، بوجه خطط الاتحاد الأوربي، عن توجه أممي ذائد عن الحقوق الاجتماعية والديمقراطية من اجل أوربا في خدمة العمال والشعوب.
3. تطور اليسار والحركة العمالية بأوربا
غالبا ما ُتعتبر أزمة 1929 مرجعا لتقييم حجم الأزمة الراهنة. كما يمكن أن تشكل سنوات 1930، على صعيد اجتماعي وسياسي، نقطة مقارنة مع الفترة الحالية. إن الصدمات الاجتماعية والسياسية أقل عنفا. فآليات الإخماد الاجتماعية تلطف المجابهات. قام محللون كُثر بتوصيف الوضع الراهن بصيغة "سنوات ثلاثينيات بطيئة". إن الفروق بين هذه الحقب التاريخية جلية.
لكن سباق سرعة يجري بين الأجراء، والحركات الاجتماعية، والحركة العمالية، وقوى اليمين الشعبوية والمتسلطة و الكارهة للأجانب. ثمة تقاطب على اليسار و آخر على اليمين. و ليس ثمة علاقات ميكانيكية بين الأزمة الاقتصادية و صراع الطبقات.
تندرج هذه الأزمة في ميزان قوى اجتماعي وسياسي متدهورة منذ أكثر من عقد من الزمن. شهدت طبقة الأجراء عمليات إعادة هيكلة أضفت طابعا فرديا على قوة العمل وأضعفت هيكليا تنظيم العمال الجماعي. وشهدت الحركة العمالية التقليدية انحدارا أكيدا.
ستفاقم الأزمة كل عمليات إعادة الهيكلة هذه، لا بل ستؤدي إلى أخرى جديدة. لكن ثمة نقاط ارتكاز في المنظمات والمؤسسات تم الحفاظ عليها لمقاومة الأزمة. إن المخاوف كبيرة في طور الأزمة الأول هذا، وتؤثر خشية فقد فرصة العمل على كفاحية كتلة العمال، لكن هؤلاء ليسوا مذهولين، ولا ضعيفي المعنويات ولا خائري العزم.
برزت أجيال جديدة عبر أولى حركات الإضراب. وتجلت مقاومات للأزمة رغم طابعها الجزئي والمتفاوت حسب أوضاع كل بلد الخاصة و ميزان القوى به. لكن لا يمكن للعواقب الاجتماعية والسياسية لأطوار الأزمة الأولى أن تغير اتجاه ميول الوضع الوازنة. جرى تسجيل هزائم في بعض المقاولات حيث جرت مئات التسريحات. وبوجه عام تم تطبيق خطط إعادة التنظيم الرأسمالية، رغم مقاومات اجتماعية حقيقية في حالات عديدة. وتلوح في الأفق هجمات جديدة بالغة الشراسة.
وهذا الوضع صعب بقدر ما أن قيادات الحركة العمالية التقليدية تتحمل مسؤولية كبرى في فك التعبئة وتيه قطاعات كاملة من الأجراء. والنتيجة أن العمال يلاقون صعوبة في معرفة كيف يجبرون أرباب العمل والحكومة على التراجع. كان خيار الأجهزة التقليدية للحركة النقابية وللاشتراكية الديمقراطية مسايرة سياسات الطبقات السائدة والدول بوجه الأزمة. و كان ثمة نقاش حول حجم خطط الإنعاش وأبعادها، وحول هذا الإجراء و ذاك من إعادة تنظيم النظام البنكي، لكن بوجه الإجمال اندرجت الاشتراكية الديمقراطية الأوربية في خطط الاتحاد الأوربي. وإن في بيان الحزب الاشتراكي الأوربي مثال معبر على ذلك. لم يكن ثمة، مثلا، حتى معركة من أجل بديل إصلاحي كينزي. إن الأزمة تسرع مأسسة البيروقراطيات النقابية – شرائح اجتماعية ذات امتيازات داخل الحركة العمالية- داخل النظام الرأسمالي.
ونتيجة ذلك تؤدي الأزمة أيضا إلى تسريع أزمة الاشتراكية الديمقراطية. لقد سبق أن نسف التطور الليبرالي للأحزاب الاشتراكية قسما جوهريا من قاعدتها الاجتماعية والسياسية الشعبية. لكن التراجع يتفاقم. فقد منيت الاشتراكية الديمقراطية في الانتخابات الأوربية الأخيرة بهزيمة جلية. و أكدت الانتخابات التشريعية الأخيرة في ألمانيا والبرتغال هذا الميل. خسر الحزب الاشتراكي الألماني زهاء 4.5 مليون ناخب بين عامي 2005 و 2009. وفقد الحزب الاشتراكي البرتغالي 9.5 % من الأصوات مقارنة بالانتخابات التشريعية الأخيرة. لا يمكن استبعاد "انعطاف ما إلى اليسار" هنا أو هناك لتعويض هذه الخسائر، لكن الميل الرئيسي هو بالأحرى نحو تعميق تكيف الأجهزة الكبرى للحركة النقابية والاشتراكية الديمقراطية مع متطلبات التسيير الرأسمالي للأزمة. هكذا بعد سياسة التحالف الكبير في ألمانيا بين الحزب الاشتراكي والديمقراطية المسيحية CDU-CSU، يستعد الحزب لاشتراكي في فرنسا إلى بناء تحالف مع يمين الوسط.
تندرج هذه الحركة قي سيرورة إجمالية أكبر، حيث يعلو عدد متزايد من الأصوات داخل الاشتراكية الديمقراطية ذاتها داعيا إلى تجاوز "الأحزاب الاشتراكية الشائخة" والقطع مع ما تبقى في هذه الأحزاب من تاريخ الحركة العمالية. إنها الدينامية التي شهدها اليسار الايطالي مع تطور قطاعات كاملة من الحزب الشيوعي الايطالي السابق نحو محاولة بناء حزب من الطراز الديمقراطي الأمريكي.
تقوم الأحزاب الخضراء والبيئية بدور نشيط في هذه السيرورة.
فدورها السياسي يتنامي بالإفادة من مخاوف السكان المشروعة بوجه الأزمة البيئية، و بخاصة في فرنسا وألمانيا. و يندرج توجهها بوجه عام في منظور تحالف كبير لليسار التقليدي والوسط البيئيين.
يفتح هذا الوضع مساحة على يسار الاشتراكية الديمقراطية المأزومة. وهذا معنى الاختراق الذي حققته كتلة اليسار Bloco de Esquerda في البرتغال و حزب اليسار Die Linke في ألمانيا خلال الانتخابات الأخيرة، ومعنى وزن تشكيلات مثل التحالف الأحمر و الأخضر في الدنمرك، واليسار الايرلندي عبر حركة التصويت ضد معاهدة لشبونة، أو الحزب الجديد المعادي للرأسمالية في فرنسا.
إن للظاهرة طابعا إجماليا، لكن وضع اليسار الجذري متميز بخصوصية في كل بلد، لا سيما حسب التاريخ، وميزان القوى ونوع النظام الانتخابي. و ثمة أيضا فروق سياسية جوهرية بين الأحزاب التي تختار القطع مع النظام الرأسمالي، وتدافع عن استقلال واضح إزاء الاشتراكية الديمقراطية، و القوى التي تدرج مشروعها في تسيير الرأسمالية الليبرالية ومؤسساتها. إن وضع خط فاصل بجلاء لرفض المشاركة في حكومات إقليمية أو وطنية اشتراكية ليبرالية يندرج أيضا في الحاجة الحيوية إلى منظور مستقل عن أجهزة اليسار التقليدي القديمة من أجل إعادة تنظيم الحركة الاجتماعية وإعادة بنائها.
أينما شارك اليسار الجذري في حكومة مع الاشتراكية الديمقراطية أو يسار الوسط، جرى تدويره في فلك اليسار الاشتراكي الليبرالي. لقد كانت قوة جذب المؤسسات البرجوازية أشد قوة من كل التصريحات المناهضة لليبرالية. كان ذلك دلالة النقاش مع قيادة دي لانكه في ألمانيا. ويمثل تطور دي لانكه خطوة لليسار الألماني إلى أمام، لكن توجه قيادته ــ برنامجيا (العودة إلى "الدولة الاجتماعية"،"ّدولة الرعايةّ") أو على صعيد التحالفات البرلمانية والحكومية مع الحزب الاشتراكي الألماني- يمثل خطرا كبيرا في إعادة تنظيم الحركة العمالية الألمانية. إن بناء يسار بديل معاد للرأسمالية داخل دي لانكه، و داخل مجمل اليسار الاجتماعي والسياسي الألماني، يظل إحدى المسائل الرئيسية في أوربا.
أخيرا، يتطلب واقع هذا اليسار الجذري في أوربا، على نحو يفوق ما قبل، الانخراط في طريق تجميع اليسار المعادي للرأسمالية، لاسيما بتنظيم ندوات، ونقاشات وحملات مشتركة.
4 . برنامج معاد للرأسمالية
إن حدة الأزمة تمد الإجابات المعادية للرأسمالية براهنية جديدة. "ليست الشعوب والعمال من يجب أن يدفع ثمن الأزمة، بل الرأسماليين!" إنها الصرخة التي انبثقت من كل المظاهرات ضد عواقب الأزمة الرأسمالية. فما المضمون الواجب تحميله لهذه الإرادة الشعبية؟
أولا ضرورة خطة استعجالية، اجتماعية وبيئية، لرفض التسريحات وإلغاء فرص العمل، ومنع التسريحات بالحفاظ على عقد العمل والدخل المضمون من طرف المقاولة أو الفروع المهنية لأرباب العمل أو الدولة في حالة البطالة الجزئية أو الكلية، وخفض مدة العمل دون خفض الأجر، ورفع الأجور والقدرة الشرائية، والمعاشات، والدفاع عن الخدمات العامة و تطويرها، والدفاع عن حقوق النساء ــ رفض كافة أشكال الميز، والنضال ضد تعنيف النساء، ومن أجل الحق في الإجهاض، ومن أجل المساواة المهنية ــ وسياسة أشغال عامة كبرى مركزة حول أولوية البيئة (اقتصاد الطاقة، طاقات متجددة، النضال ضد التلوث، النقل المشترك، السكن الاجتماعي، خلق فرص عمل في أنشطة بيئية مفيدة اجتماعيا).
يستلزم تلبية هذه المطالب توزيعا مغايرا للثروات. إن صرف مئات الملايير في ليلة واحدة إنما يعني إمكان فرض ضريبة على الأرباح المالية، والصناعية، و البنكية، و الثروات الضخمة، من أجل تمويل فرص العمل والأجور والخدمات العامة والضمان الاجتماعي. يجب إلغاء الفراديس الضريبية التي أتاحت لها الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا الازدهار في بعض الدول أو الإمارات، ويجب تطبيق تدابير بسيطة ُتوقف الإغراق الضريبي وُتجانس نسب ضريبة مرتفعة على أرباح الشركات.
لكن الأزمة تطرح مسألة أخرى: من يراقب، من يقرر، من يملك؟ إنها مسألة التملك العمومي والاجتماعي. يجب سن قانون عام يقضي بتحرير الخدمات العامة من قواعد المنافسة، وإرساء احتكار عمومي على الخدمات العامة الإستراتيجية. إننا نعارض التملك الخاص لقطاعات الاقتصاد الأساسية بالتملك العمومي والاجتماعي لهذه القطاعات الكبرى. يجب إعادة تنظيم النظام البنكي بحلول جذرية. و يجب توحيد النظام البنكي والمالي و تأميمه تحت رقابة شعبية.
وأخيرا يفضي تداخل الأزمتين الاقتصادية و البيئية إلى ضرورة تغيير المنطق واستبدال الخضوع الكلي للربح وللانتاجوية بالحاجات الاجتماعية. يقتضي هذا تحويل قطاعات كاملة من الاقتصاد من أجل احترام التوازنات الاجتماعية- البيئية، مثل قطاع السيارات، والتسلح والقطاع النووي. وسيكون "الملك المشترك" هدف تنمية متوازنة، بيئية اشتراكية، مقتضية مكانة مركزية للتخطيط الديمقراطي.
تبدو بعض هذه المطالب خارج المنال في ظل ميزان القوى الراهن. لكن الأزمة تضع على جدول الأعمال حلولا جذرية تقتضي مواجهة مع الطبقات السائدة. تطلب هذه المعركة تعبئات اجتماعية وسياسية استثنائية. إن النقاشات حول علاقات النضالات الجزئية، وحركة إجمالية، و إضراب عام، تعود إلى جدول الأعمال. يجب على الثوريين في هذا الإطار جمع الاندماج في الحركة الجماهيرية الفعلية، و وحدة العمل، و مقترح نضال، وإجابات اشتراكية إجمالية. إن النضال من أجل إصلاحات جزئية ومشاريع تغيير المجتمع يطرح مسألة السلطة. غالبا ما ينتقد القادة الاشتراكيون الديمقراطيون اليسار الجذري بسبب رفضه تحمل مسؤولياته وممارسة الحكم. لإبطال هذا الاتهام يتعين على معاديي الرأسمالية البرهنة على أنهم يعملون لخلق الشروط من أجل تدخل حركة جماهيرية عريضة منظمة ذاتيا في الساحة السياسية وفرضها لحكومة شعبية تقوم بتطبيق برنامج اجتماعي وديمقراطي ومعاد للرأسمالية. إن منظور حكومة قطع معاد للرأسمالية هذا يتطلب تفادي المشاركة في حكومات اشتراكية ليبرالية مع أحزاب اشتراكية أو أحزاب يسار وسط.
و أخيرا، يجب أن تتمفصل كل هذه المعارك حول منظور اشتراكي، بيئي اشتراكي يمثل الخطوط العريضة لبرنامج مجتمع بديل، ونمط إنتاج واستهلاك جديد، و تصور جديد للديمقراطية و ديمقراطية اشتراكية.
تعريب جريدة المناضل-ة
فرانسوا سابادو: عضو اللجنة السياسية الوطنية للحزب الجديد المعادي للرأسمالية بفرنسا، وعضو المكتب التنفيذي للأممية الرابعة ومحرر بمجلة انبركور.
هذا النص ملاحظات تحضيرية للتقرير حول الوضع العالمي ( معدة للنقاش بالمؤتمر العالمي السادس عشر للأممية الرابعة)، كما قدمت ونوقشت في اجتماع المكتب التنفيذي في 17 أكتوبر 2009.
========