ليس هذا وحسب، فالتزاما بمضمون خطاب الملك ليوم 30 يوليوز2007 القاضي بضرورة طرح « برامج ملموسة وهادفة، وليس شعارات فارغة» فقد سارعت الأحزاب الى تضمين برامجها الكثير من التفاصيل حول التحسينات والإجراءات التي تقترحها، كل ذلك مشفوعا بالاحصائيات. ويشكل البرنامج الانتخابي لحزب "العدالة والتنمية" و"الاتحاد الاشتراكي" المثال الأبرز عن ذلك الإطناب.
غير أن أيا من الأحزاب الثلاثة والثلاثون التي تنازعت مقاعد البرلمان لم يعد الشعب، مثلا، بحرية سياسية كاملة غير منقوصة وبسيادة كاملة غير منقوصة. ليس بينها من يعد الفلاحين الفقراء بحل جذري لقضية الأرض عبر مصادرة أراضي الملاكين الكبار وتوزيعها بالتساوي عليهم. ليس بين هذه البرامج من وعد مثلا بإصدار قانون يجرم ويمنع طرد وتسريح العمال. ليس بينها من يعد بوقف تسديد الديون.
إنها نوع من المطالب لا يمكن ان تحقق في ظل المجتمع القائم، ولا يمكن ان يرفعها إلا حزب يناضل من أجل تغيير حقيقي عميق وشامل. لا يمكن أن يرفعها الا حزب اشتراكي ثوري. وهو حزب لا يشارك في هذه الانتخابات لأنه غير موجود بعد بالمغرب.
إن الوعود الانتخابية التي يطلقها أي حزب مرتبطة، بصفة عامة، بالطبيعة الطبقية لهذا الحزب. أي عن مصالح أية طبقة يدافع؟ وأي برنامج سياسي يريد تحقيقه؟ وأية وسائل نضال ينتهجها لتحقيقه؟
إن البرامج الانتخابية بهذا المعنى مرآة للطبيعة الطبقية لهذه الأحزاب. وبما أن استجداء الأصوات قد يدفع بأحد الأحزاب أن يزيد من سقف وعوده، وهو ما يحصل عادة، فيمكن اعتبار البرامج الانتخابية مرايا مُضَخِمة للبرامج السياسية للأحزاب. وما يدفعنا في هذا المقال إلى الحديث عن هذه البرامج الانتخابية هو بالضبط إلقاء مزيد من الضوء على طبيعة الأحزاب المشاركة في انتخابات شتنبر2007.
لماذا تتشابه البرامج الانتخابية؟
إن ما يميز البرامج الانتخابية للأحزاب المشاركة في الانتخابات هو تشابهها اللافت. وهو أمر تُقر به هذه الأحزاب نفسها. إن هذا التشابه يعكس حقيقة بسيطة لكنها أساسية:هذه الأحزاب في مجملها تنويعات تنظيمية لنفس البرنامج السياسي. هذا التشابه في البرامج يعكس الدفاع عن نفس المصالح الطبقية. إن هذه الأحزاب، وكما جاء في منشور جريدتنا حول الانتخابات، تنويعات من حزب وحيد : حزب الرأسمالية التابعة، حزب استغلال الكادحين واضطهادهم.
غير أن التشابه لا يعني التماثل والتطابق فثمة فروقات عديدة بين هذه الأحزاب سنعمل خلال المقال الى الاشارة اليها. وسنعتمد في هذا المقال على عينة نعتبرها ممثلة للخلافات الموجودة بين هذه الاحزاب وهي:"الحركة الشعبية" و"الاتحاد الاشتراكي" و"العدالة والتنمية" و"تحالف الطليعة والمؤتمر والاشتراكي الموحد".
وسنعمل على استقراء برامجها الانتخابية انطلاقا من المحاور الرئيسية التالية: الموقف من التبعية للامبريالية لاسيما مسألة الديون واتفاقات التبادل الحر، مسألة الحرية السياسية، مسألة الأرض وملكيتها، المسألة الاجتماعية لاسيما التعليم والصحة، والموقف من القضية العمالية.
حزب"الحركة الشعبية":
«المواطنين، ينتابهم احساس بوجود مغربين يعيشان جنبا الى جنب» بهذه الجملة يبدأ البرنامج الانتخابي لحركة شعب أحرضان. وكأن الفوارق الطبقية بين من يملكون ومن لايملكون ليست الا إحساسا. وكأن الجوع والمرض والفقر والبطالة التي "ينعم" فيها مغرب التحت ليست سوى احاسيس تنتاب المواطنين. وكأن البدخ وسرقة صناديق الضمان الاجتماعي والقرض العقاري والسياحي ليست سوى مشاعر. وكأن "مغرب الفوق" يعيش إلى جانب "مغرب التحت" لا على حسابه. غير أن حركة أحرضان واضحة في رؤاها لحد المفاجأة وهي تكتب «نحن نريد التقليص من الفوارق ليس عبر تحقيق مساواتية طوباوية(...)فنحن لا نريد ان نعد الشعب ببرنامج ثوري»(كذا !).قبل ان تضيف «فالطبقة السياسية برمتها اختارت في مجملها التوجه الليبرالي». لتخلص ان مشكلة الحكومة اي "مغرب الفوق" تكمن في بطئ تنفيذ اجراءاتها نظرا لغياب حكومة منسجمة وبرلمان يمارس اختصاصاته، ومن تم فانها «تعد باصلاح المؤسسات التمثيلية لتكون مسؤولة امام الشعب والناخبين».
والحركة باعتبارها حزبا "برجوازيا" ملكيا لا ينازع في سلطات الملك، ترى العالم كله عبر مصالح الراسماليين والملاكين العقاريين الكبار في المغرب الذين ألفوا تدخل الدولة لصالحهم وألفوا الامتيازات من كل صنف. هكذا فبرنامج الحركة لا يتحدث عن اي أمر إلا ليخلص إلى ضرورة «منح مزيد من التحفيزات للاستثمار»، فدعم العالم القروي يتطلب منح التحفيزات «لتوجيه الاستثمار نحو المناطق الداخلية والمهمشة» و«ايجاد حلول لمشاكل اراضي الجموع» بالطبع لوضعها تحت تصرف الملاكين الكبار باثمنة رمزية وكذا «تشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة بالقرى». وخفض نسبة البطالة وتشغيل العاطلين يتطلب تحفيزات من قبيل «تخفيض الضرائب على المقاولة: الضريبة على الشركات (من 35 الى 30 في المائة) الضريبة على الدخل بنسبة 1.5% سنويا والاعفاء من الاعباء الاجتماعية لمدة سنتين لكل تشغيل جديد».
أما بالنسبة للتعليم والصحة فالحركة متفقة كليا مع المخططات الليبرالية التي تنهجها الدولة لاسيما ضرب المجانية والسير قدما نحو الخوصصة واعتراضها الرئيسي هو حول بطء الهجوم على مكتسبات الشعب. لذا تدعو إلى «مباشرة إصلاح إداري صارم وفعال» يبدأ بتوسيع عملية إعادة نشر الموظفين.
هكذا يكون تقليص الفوارق وإلا فلا؛ مزيد من الامتيازات والهدايا لـ"مغرب الفوق" ومزيد من الهجوم على صحة وتعليم و قوت"مغرب التحت". هذا هو مغرب الحركة الملكية. مغرب الاستغلال والاستبداد. مغرب الرأسماليين والملاكين العقاريين الكبار والأعيان وأجهزة البوليس.
حزب"الإتحاد الاشتراكي "
يعتبر هذا الحزب أشد المدافعين عن حصيلة عمل الحكومة للسنين العشرة الأخيرة واشد الحريصين على استمراره في الحكومة لمواصلة "أوراش الإصلاح" التي انطلقت مع حكومة "التناوب التوافقي". لذا ليس غريبا أن يتخلص البرنامج الانتخابي للحزب من أي مطلب ذي حمولة شعبية حقيقية. إنها مطالب وشعارات استعملها الحزب أيام كان في المعارضة كفزاعة في وجه الحكم لدفعه لاقتسام السلطة فيما بين القصر والبرجوازية الليبرالية.
أما اليوم فبرنامج الحزب شبيه بنشرات الأخبار الرسمية عشية "عيد وطني".
فالحزب لا اعتراض لديه على تحكم المؤسسات المالية العالمية في اقتصاد البلد عبر المديونية واتفاقات التبادل الحر التي يطالب باحترامها وتعزيزها. والحزب مدافع عن كل المخططات الليبرالية السائر تطبيقها في التعليم والصحة والتشغيل بكل تفاصيلها، ومُلِحٌ على تسريع وتائرها، ومُطالب بالحزم والشجاعة في تنفيذ مخططات أخرى كالهجوم على حق الإضراب [الذي جعله أُسا من أسس "الحكامة الجيدة"] وضرب صندوق المقاصة وتفكيك أنظمة التقاعد...
والحزب مُفتخِر بسياسة الدولة اتجاه قضايا الأمازيغية[المعهد] والصحراء[الحكم الذاتي] والفقر[مبادرة التنمية البشرية].
غير أن الحزب مع ذلك لازال متشبثا بتصوره الليبرالي للديمقراطية دون كثير تغيير. هكذا فالحزب يرى أن «التجربة الميدانية أظهرت أن المنجزات الإيجابية لايمكن أن تحجب حجم الاختلالات في مجالات أخرى، ذلك ان دواليب القرار السياسي في حاجة للتوضيح من اجل تحديد المسؤوليات وتوفير ظروف المشاركة المواطنة». فالحزب يطالب بتوسيع صلاحيات البرلمان في المراقبة والتشريع، وتعزيز مؤسسة الوزير الأول، وتأهيل الإدارة وتحديث القضاء. إنها في الجوهر نفس المطالب السياسية الاتحادية القديمة وقد تم تخفيف نبرتها ودرجة أولويتها. انه نفس التصور المرتكز على مطالبة الملكية بالتنازل الطوعي عن بعض صلاحياتها للبرجوازية بالبرلمان والحكومة. لم تتغير إلا وسيلة "الإقناع". البارحة عبر الاستجداء غالبا والتلويح أحيانا بتبني مطالب الشعب وتحريك الشارع، واليوم عبر رفع فزاعة "الإسلاميين" وضرورة الترشيد والعقلنة و"توضيح دواليب القرار السياسي". ألا بئس الهدف والوسيلة معا.
هذا هو كل مضمون الديمقراطية عند برجوازيينا الليبراليين ومثقفيهم. لا مكان للشعب في ديمقراطيتهم ولا سيادة ولاحرية له.
أما قضايا العمال فقد طلقها الحزب نهائيا منذ تخليه عن قطاعه النقابي داخل الك.د.ش. فالحزب وبوضوح يقف في كل الأمور حريصا على "مناخ الإنتاج" أي مناخ الاستغلال. فتراه يعمل ما بوسعه لإطلاق يد الباطرونا وتكبيل نضالات العمال عبر الدعوة إلى إقامة ما يسميه في برنامجه «علاقات موضوعية جديدة بين أطراف الإنتاج»؛ فاحترام الحريات النقابية يأتي مقرونا بضرورة مأسسة الحوار الاجتماعي وبجعل الوساطة والتحكيم منطلقا ضروريا لحل نزاعات الشغل وبأجرأة "سلسة" لمدونة الشغل.
هذا هو ما تبقى من "اشتراكية" الاتحاد. إنها وبكل بساطة اشتراك البرجوازية والحكم المطلق في تكبيل واستعباد عمال هذا البلد وشعبه.
حزب"العدالة والتنمية"
يبدأ برنامج العدالة والتنمية بالتنبيه التالي: «برنامجنا لا يشكل قطيعة مع التوجهات الأساسية بل يسعى إلى الإصلاح في إطار الاستمرارية». انه تنبيه يراد به تطمين الحاكمين والمؤسسات المالية والبرجوازية المحلية إلى أن «حزبنا ناضج للمشاركة في الحكومة وفق مصالحكم وألا خوف على ثوابت الأمة منه».إنها الغاية نفسها التي دفعته للتحالف مع حزب بالغ الصغر اسمه "القوات المواطنة"لمجرد أن رئيسه برجوازي كبير ورئيس سابق لمنظمة أرباب العمل. إنه تنبيه يلخص برنامج وحدود الحزب: حزب ليبرالي اقتصاديا ملكي سياسيا..لكن بمساحيق دينية. انه الصنو "الإسلامي المحافظ" لحزب الاتحاد "الاشتراكي الحداثي". لقد سعى هذا الحزب أكثر من غيره إلى تضمين برنامجه العديد من التفاصيل والإحصائيات المأخوذة عن "تقرير الخمسينية" للبرهان على جديته وانضباطه. لذلك تخلى "طوعا" عن الشعارات الدينية ذات القدرات التعبوية الكبيرة من قبيل "الإسلام هو الحل" مثلا. غير أن تصوراته كتيار ديني رجعي مبثوثة في ثنايا برنامجه، وإن بصيغ ملطفة، بل وخصص لها المحور الخامس من محاور برنامجه الثمانية عنونه بـ"تقوية منظومة القيم والهوية". هكذا فالحزب لا يدعو الى القطع مع "الغرب" والتخلي عن اتفاقات التبادل الحر بل إلى تعزيز علاقة التعاون مع احترام "الخصوصيات الثقافية" المحلية و تنظيم «حوار وطني بين المعنيين حول اتفاقات التبادل الحر الموقعة». وبخصوص الخوصصة فالحزب يطالب بتخصيص بعض المجالات للاستثمار المحلي. والحزب لا إشكال لديه مع الاستبداد، فهو يدعو إلى «انجاز إصلاح دستوري متكامل بمنهجية توافقية قائمة على الحوار المسؤول. ضمن رؤية تعزز التوازن وتحمي التعددية وتقوي الرقابة بين المؤسسات وترسخ الجهوية». انها نفس مطالب الاتحاديين حول توازن السلطات و"تعزيز مؤسسة الوزير الأول". ونفس أساليبهم "الحوار المسؤول". وما يميز الحزب هو دعوته لجعل «الشريعة المصدر الأساس للتشريع».
وبالنسبة للتعليم والصحة فهم متفقون من حيث الجوهر مع كل محاور الهجوم لاسيما ضرب المجانية وتشجيع الخوصصة. ويقترحون خطة خماسية لتدارك بطء تطبيق "الميثاق" ويدعو في هذا الاتجاه إلى تكوين 10الاف مجاز في مراكز تكوين الأساتذة وتوظيفهم في القطاع الخاص.
وبالنسبة لمحاربة الفقر وبعد تثمينه لمبادرة التنمية البشرية فهو يدعو إلى إنشاء بيت الزكاة أي مزيدا من الضرائب على الفقراء لإسعاف الأكثر فقرا. وفي نفس السياق يدعو إلى إصلاح صندوق المقاصة لحصر الاستفاذة منه للفقراء فقط. أو ليست هذه وصفات البنك الدولي نفسه حول محاربة الفقر؟
وبالنسبة لقضية الأرض فقد تفرد برنامج الحرب بدعوته إلى «مراجعة منظومة ضم الأراضي وفق برنامج متعدد الخيارات يشمل تحفيزات مالية لشراء الأراضي المجاورة وتشجيع التعاونيات». فالحزب يدعو إلى تسريع عمليات طرد الفلاحين الفقراء من أراضيهم مادام الأغنياء وحدهم يمكنهم الشراء.
وبالنسبة لمطالب العمال فالحزب وبعد أن يدعو إلى إصدار قانون تجريم حق الإضراب يقترح تعميم مضامينه على شغيلة القطاع العام «بما يحقق استمرار المرفق العمومي ويكفل حقوق الموظفين في الاحتجاج السلمي». وللإشارة فالمشروع الأول الذي قدمته الدولة حول الإضراب شمل القطاعين العام والخاص قبل ان تتراجع وتخصصه فقط لعمال القطاع الخاص وفقا لسياسة فرق تسد التي لا يتقنها قادة العدالة والتنمية غير المجربين بعد.
وبعد كل هذا تأتي العدالة والتنمية لتقترح تعميق الحريات النقابية عبر«النص على الحق في عقد الأنشطة النقابية داخل المؤسسات الخاصة لاسيما تنظيم الاجتماعات». عن أية أنشطة نقابية وأي حرية وأية اجتماعات يتحدثون إذا تم نزع سلاح النقابة الأساسي (الإضراب)؟ إذا نزع هذا الحق فلا يبقى إلا الاجتماع من اجل التضرع لله بهداية الباطرونا لما فيه مصلحة العمال.
صرح عبد الإله بنكيران زعيم "العدالة والتنمية" لجريدة "الوطن الآن"(العدد 259) قائلا:«حزب العدالة والتنمية هبة من السماء للدولة المغربية». إنها حقا هبة ومن السماء، لكن ليس للدولة المغربية وحدها بل للباطرونا أيضا.
"تحالف اليسار": الطليعة المؤتمر الاشتراكي الموحد
المكونات الرئيسية للتحالف خرجت من رحم الاتحاد الاشتراكي عقب مشاركته فيما سمي بحكومة التناوب التوافقي التي رأسها عبد الرحمان اليوسفي. خرجت أساسا لأسباب تتراوح ما بين عدم الرضا على الوزن الممنوح لها داخل الحزب (جماعة الأموي) أو لغياب الديمقراطية الداخلية (جماعة الساسي). أما "حزب الطليعة" فقد غادر الاتحاد بداية ثمانينيات القرن الماضي لأسباب تتعلق بتخليه عن "خط النضال الديمقراطي" وتبنيه لما اسماه رفاق بنعمرو وبنجلون حينها بـ"الخط الانتخابي". إنها إذن خلافات مع الاتحاد الاشتراكي إما غير جوهرية سياسيا أو تجاوزها مجرى الأحداث بفعل تبني حزب الطليعة لموقف المشاركة في انتخابات شتنبر2007. وهذا ما يعكسه البرنامج الانتخابي للتحالف الذي لا يختلف نوعيا عن برنامج الاتحاد الاشتراكي.
أعطى التحالف الأولوية للإصلاح السياسي والدستوري، وجاء في برنامجه:« يهدف التحالف إلى تحقيق ديمقراطية حقيقية يكون فيها الشعب مصدرا للسيادة والسلطة، وتقوم على تداول فعلي على السلطة وفصل للسلط». ليس ما يصبو له التحالف ديمقراطية حقيقية.
ان ديمقراطية حقيقية تعني أن يصير الشعب المصدر الوحيد والأوحد للسيادة والسلطة لا أن يكون مصدرا بين مصادر أخرى لم يذكرها التحالف وهي الملكية وسلطة الرأسمال. إنها ديمقراطية منقوصة ومشوهة تلك التي يريدها التحالف. إنها الديمقراطية على طريقة البرجوازية الليبرالية. ويفصل برنامج الحزب ويدقق فيما عبر عنه الاتحاد الاشتراكي بصيغة «توضيح دواليب القرار السياسي لضمان مشاركة مواطنة» من تفعيل مؤسسة الوزير الأول إلى "تقوية دور البرلمان" و "إصلاح القضاء" و"تحديث الإدارة وتعزيز شفافيتها".
بالطبع ثمة خلافات في التفاصيل؛ فالاتحاد يركز على العراقيل التي واجهته كمشارك في الحكومة [دور الأمانة العامة للحكومة مثلا] فيما يبقى التحالف ضمن الأمور العامة كالدعوة إلى بناء فعلي لدولة الحق والقانون عبر المصادقة على الاتفاقات الدولية، وتنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة وتعزيز مناخ الحريات.
وتتضح الصيغة المنقوصة لديمقراطية التحالف أيضا في موقفه من العلمانية باعتبارها مطلبا لا تستقيم الديمقراطية بدونه. فالتحالف وسيرا على درب الاتحاد لا يطالب إلا بإصلاح "الشأن الديني" بما يتيح انفتاحه وتنمية روح التسامح وإحياء الجانب التنويري في الدين الإسلامي.
أما بخصوص علاقات التبعية للامبريالية فان التحالف يدعو إلى «تحديد القطاعات الاستراتيجية أو الحساسة التي ستتم حمايتها من المنافسة الخارجية». ويدعو إلى «تجديد التفاوض بشان اتفاقيات التبادل الحر» والى «تقييم موضوعي للخوصصة» و«وضع إطار قانوني دقيق حول التدبير المفوض» و«تحديد مفهوم الأمن الغذائي». وهو ما يعني إن التحالف ليس لديه أي موقف من محاور جارية لتعميق تبعية وتخلف البلد اللهم الدعوة إلى التقييم والموضوعية وتحديد المفاهيم. أما المديونية فموضوع لا يدخل في نطاق اهتمام مكونات التحالف.
ويذهب التحالف بعيدا عن مصالح الطبقات الشعبية حين سكوته المطلق والكلي، كما كل الآخرين، عن المطالبة بمجانية خدمات الصحة والتعليم. بل وأكثر من هذا فالتحالف يدعو تماما كما الاتحاد الاشتراكي إلى بلورة «ميثاق وطني للصحة» لن يكون بالطبع إلا صورة لميثاق التعليم الكارثي.
وفي قضية الأرض يبتعد التحالف كليا عن مصالح الفلاحين الفقراء حين يدعو إلى «وقف تفويت أراضي سوديا وسوجيطا وتوظيفها في إطار برنامج استثماري لصالح مهندسي و تقنيي التعليم الزراعي العلمي». إن هذه الأراضي وغيرها انتزعت قسرا من الفلاحين الفقراء وينبغي أن تعود إلى أصحابها.. الفلاحين الفقراء والعمال الزراعيين، لا أن تحل أزمة بطالة مهندسي وتقنيي الزراعة.
وفيما يخص قضايا العمال، فالتحالف يقترح مصادقة الدولة على الاتفاقية رقم 87 الصادرة عن منظمة العمل الدولي الخاصة بالحريات النقابية، وينسى أن يطالب بما هو أهم وأجدى: إطلاق سراح معتقلي الفصل 288 من القانون الجنائي والدعوة إلى إلغائه ورفض قانون تجريم حق الإضراب.
يتشبث كل الخارجين من الاتحاد الاشتراكي بنعث أنفسهم بالحركة الاتحادية الأصيلة. انه تشبث بنفس البرنامج السياسي البرجوازي الليبرالي. ففي "ارض الله الواسعة" التي طردوا إليها تباعا لم يستطع أي منهم بلورة برنامج سياسي بديل عن الاتحاد الاشتراكي. لم يستطع أي منهم تغيير جلده الطبقي.
خلاصة
إن القوى المتحدث عنها أعلاه هي قوى بعيدة كليا عن تبني كامل وغير منقوص للمطالب الشعبية في الحرية السياسية والعيش الكريم والسيادة الوطنية.
فـ"الحركة الشعبية" حزب ملكي خالص يدافع عن مصالح المالكين الكبار وكبار موظفي الدولة وسلطة البوليس.
و"الاتحاد الاشتراكي" حزب يعبر عن مصالح البرجوازية الليبرالية و الملاكين العقاريين الليبراليين. إنه حزب المثقفين والمحامين والصحافيين والأساتذة الجامعيين البرجوازيين.
و"العدالة والتنمية" وان كان حزبا "إسلامي" الرداء فهو ليبرالي الهوية السياسية. يتشكل من الفئات الدنيا من المثقفين من مدرسين وموظفين صغار وبرجوازية صغيرة مدنية.
أما تحالف الطليعة والمؤتمر والاشتراكي الموحد فليس أكثر من يسار الاتحاد الاشتراكي أي الجناح اليساري من البرنامج البرجوازي الليبرالي. وهو أمر لا تغير منه التركيبة البرجوازية الصغيرة لمكونات التحالف شيئا ما دامت البرجوازية الصغيرة تاريخيا عديمة البرنامج السياسي الخاص. فهي تتبع، كما يقول ماركس، احد طرفي الصراع في المجتمع البرجوازي: البرجوازية أو البروليتاريا.
إن الغائب الأكبر في معادلة الصراع الطبقي بالمغرب هي الطبقة العاملة باعتبارها فاعلا سياسيا مستقلا. لذلك فالمهمة المركزية لثوريي المغرب وللطلائع العمالية ستظل بناء منظمة العمال الاشتراكية الثورية، منظمة تقود نضال الشعب المغربي ضد نظام الاستغلال والاستبداد. منظمة تستطيع فعليا تجسيد الموقف الماركسي الثوري في كل واجهات وقضايا النضال بما فيها استعمال الانتخابات من منظور ثوري. إنها المعركة التي ينخرط فيها أنصار جريدة المناضل-ة بكل قواهم.
علاء لمين